المصدر: Kataeb.org
الكاتب: ريتا بولس
الثلاثاء 19 أيار 2026 14:21:35
كتبت عضو المكتبب السياسي الكتائبي ريتا بولس:
"لم يكن كلام النائب محمد رعد مجرد موقف سياسي عابر، بل كان تعبيراً واضحاً عن أزمة أعمق: أزمة منطق يريد أن يضع الدولة في قفص الاتهام كلما حاولت أن تستعيد شيئاً من صلاحياتها. فحين تُتَّهم المؤسسات بالخيانة لأنها تفاوض، وحين يُصوَّر التفاوض وكأنه فعل تآمر لا ممارسة دستورية، نكون أمام قلب كامل للمعادلة، تصبح الدولة مطالبة بتبرير وجودها، فيما يعفي السلاح نفسه من أي مساءلة.
ولمن يتحدث عن "تفاوض من دون تفويض"، فإن أول جواب يأتي من الدستور نفسه، فالمادة 52 من الدستور اللبناني تنص على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على ألا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وأن تعرض في حالات معينة على مجلس النواب،أي أن التفاوض، في النص الدستوري، ليس تهمة ولا خروجاً عن السيادة، بل صلاحية منظمة ومحصورة بالمؤسسات الدستورية.
من هنا، فإن السؤال لا يكون، من فوّض الدولة أن تفاوض؟ بل السؤال الحقيقي،من فوّض حزباً أن يمنع الدولة من التفاوض؟ ومن فوّض كتلة نيابية أن تحاكم المؤسسات عندما تمارس اختصاصاً منصوصاً عليه في الدستور؟ ومن أعطى السلاح حق توزيع شهادات الوطنية والخيانة على من يفترض أنهم أصحاب الشرعية الدستورية؟
إن المادة 65 من الدستور تحسم أيضاً الجهة الصالحة لتقرير السياسة العامة للدولة، إذ تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وهو الذي يضع السياسة العامة في جميع المجالات، وتخضع له القوات المسلحة، كما أن مسائل الحرب والسلم والاتفاقات والمعاهدات الدولية تُعد من المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة خاصة داخل الحكومة. وهذا يعني أن قرار الحرب والسلم ليس قراراً حزبياً، ولا ميدانياً، ولا خطابياً، بل قرار دستوري محصور بمجلس الوزراء.
وهنا تقع المفارقة الكبرى، من يهاجم الدولة لأنها تفاوض لا يسأل نفسه من قرر فتح الجبهات باسم اللبنانيين، ومن ربط مصير البلاد بحسابات إقليمية، ومن جعل الجنوب والاقتصاد والاستقرار رهائن لقرار لا يصدر عن مجلس الوزراء ولا يخضع لأي رقابة شعبية أو دستورية. فإذا كان التفويض هو المعيار، فأين التفويض الذي سمح لحزب أن يقرر عن اللبنانيين متى يدخلون الحرب ومتى يدفعون ثمنها؟
أما اتفاق الطائف، وهو الإطار الذي أعاد بناء الشرعية بعد الحرب، فقد نصّ بوضوح على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعلى حلّ جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، وعلى تعزيز القوات المسلحة الشرعية، لم يقل الطائف بدولة ناقصة، ولا بسيادة مجزأة، ولا بسلاح يفاوض الدولة على حدود صلاحياتها، قال بدولة واحدة، وسلطة واحدة، ومؤسسات واحدة.
والقرار 1701 جاء في الاتجاه نفسه، إذ شدّد على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وعلى ألا يكون هناك سلاح أو سلطة في لبنان خارج موافقة الحكومة اللبنانية. فهل أصبح الالتزام بالدستور والطائف والقرارات الدولية خيانة؟ أم أن المشكلة الحقيقية هي أن هذه النصوص تفضح استحالة الجمع بين دولة كاملة وسلاح موازٍ لها؟
الأخطر في كلام النائب رعد ليس فقط اتهام الدولة، بل الاستسهال في استعمال مفردة "الخيانة". فالدستور اللبناني نفسه يتعامل مع الخيانة العظمى كاتهام خطير تحيط به ضمانات مشددة، ولا يتركه للمنابر ولا للخطابات السياسية وعندما تتحول الخيانة إلى كلمة يومية تُرمى في وجه كل من يطالب بالدولة، فهذا لا يحمي لبنان، بل يخنق النقاش الوطني ويحوّل الخلاف السياسي إلى محكمة تخوين مفتوحة.
يا سعادة النائب محمد رعد، الدولة لا تحتاج إلى إذن من حزب كي تكون دولة والتفاوض لا يحتاج إلى براءة ذمة من سلاح خارج المؤسسات. والجيش لا يحتاج إلى وصاية سياسية كي يكون المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة حماية الحدود. أما النواب، أياً كانت كتلهم، فشرعيتهم مستمدة من الدستور، لا من فائض القوة ولا من القدرة على فرض الأمر الواقع.
إن الوطنية لا تُقاس بعلوّ الصوت، ولا بعدد الصواريخ، ولا بالقدرة على تعطيل الدولة ،الوطنية تُقاس بمدى احترام الدستور، وبمدى الخضوع للمؤسسات، وبمدى استعداد الجميع لأن يكونوا تحت سقف القانون نفسه. فمن يقبل بالدولة عندما يحتاج إلى شرعيتها، ثم يتهمها عندما تطالب بصلاحياتها، لا يدافع عن الدولة بل يستخدمها.
الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن الدولة لا تخون عندما تفاوض، بل تمارس اختصاصها ، ولا تستقوي بالعدو عندما تطالب بحصرية القرار، بل تستقوي بدستورها ،ولا تعتدي على المقاومة عندما تطالب بحصرية السلاح، بل تدافع عن الحد الأدنى من معنى السيادة.
المعادلة لم تعد تحتمل الالتباس ،لا يمكن أن تكون هناك دولة فعلية وقرار حرب خارجها، لا يمكن أن تكون هناك سيادة وسلاح لا يخضع لها. لا يمكن أن يكون هناك دستور إذا كان يُستدعى عند تشكيل الحكومات ويُدفن عند الحديث عن السلاح ولا يمكن أن يُطلب من اللبنانيين أن يدفعوا كلفة قرارات لم يشاركوا في صنعها.
لبنان ليس منصة مفتوحة لتفاوض الآخرين، ولا صندوق بريد عسكرياً لمحاور الخارج، ولا وطناً مؤجلاً إلى حين تنتهي حسابات الإقليم.
لبنان دولة، والدولة لا تُحاكم لأنها تفاوض، بل تُدان القوى التي منعتها طويلاً من أن تكون صاحبة القرار.
لذلك، فإن الرد على النائب محمد رعد ليس دفاعاً عن حكومة أو فريق سياسي، بل دفاع عن بديهية دستورية: في لبنان، التفاوض من صلاحية الدولة، والحرب من قرار الدولة، والسلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة. وكل خطاب يتهم الدولة بالخيانة لأنها تطالب بهذه البديهيات، إنما يكشف أن خصومته الحقيقية ليست مع خصم سياسي، بل مع فكرة الدولة نفسها."