رد هيئة التشريع بتعليق "الدائرة 16" قانوني كما طلب الحجار... العبرة في صناديق الإقتراع!

ثلاثية مواقف ممزوجة بين القانون والسياسة استجدت على مسألة الإنتخابات النيابية لتضع الإستحقاق في مهب السؤال الجدلي المطروح: هل تجري الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري في أيار 2026 أم تؤجل .والتأجيل غير محدد إذا ما كان تقنياً لشهرين أو لسنة أو سنتين.

كتاب وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار إلى هيئة التشريع والاستشارات بشأن مدى إمكان تعليق العمل بالمادة المتعلقة بـ"الدائرة 16" في الانتخابات النيابية المقررة ، فتح نقاشاً سياسياً ودستورياً واسعاً، في ظل تباين القراءات القانونية وانعكاساتها على الاستحقاق المنتظر. في الكتاب وجه الحجار سؤالين وهما: هل يجوز للمغتربين المسجلين الاقتراع من الخارج للنواب ال 128؟ أم يحتم على المغتربين المسجلين الحضور إلى لبنان للاقتراع للنواب ال 128؟.
فوراً جاء رد هيئة التشريع والاستشارات على طلب وزير الداخلية أحمد الحجار وسؤاله المتعلّق باقتراع المغتربين، حيث أكدت أنّه يحقّ للمنتشرين المسجلين التصويت من الخارج لـ 128 نائبًا. انتهى البيان.

وراء السجال القانوني، يبرز البعد السياسي للنقاش. وبين من يعتبرالدائرة 16 تكريساً لتمثيل الاغتراب بصورة مستقلة، ومن يرى أن من الأنسب إبقاء اقتراع غير المقيمين ضمن الدوائر الـ15 في الداخل، يترقب اللبنانيون في الداخل والخارج حسم الخيارات قبل انطلاق المهل القانونية المرتبطة بالاستحقاق. فالمسألة لم تعد تقنية فحسب، بل باتت مرتبطة بالتوازنات السياسية وبصورة المجلس النيابي المقبل.

خلاصة موقف هيئة التشريع أنها تضع الكرة في ملعب السلطة التشريعية: إما الإبقاء على المادة وتطبيقها كما هي، أو المبادرة إلى تعديل قانون الانتخاب ضمن الأصول الدستورية. أما خيار "التعليق الإداري"، فيبدو وفق أطراف سياسية ممانعة خارج الإطار الدستوري.

أولى الردود جاءت من أول المتقدمين بطلب الترشيح، رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي، الذي علق "هي المرة الأولى التي نسمع فيها أنّ القاضي يوقف تنفيذ القانون بدل السّهر على تطبيقه"، مؤكّدًا أنّه "لا يمكن القفز فوق القانون باستشارةٍ غير مُلزمة"، في إشارةٍ إلى جواب "هيئة التّشريع والاستشارات" في وزارة العدل المتعلّق باقتراع اللّبنانيّين المقيمين في الخارج.

وأبدى برّي رفضًا قاطعًا لما صدر عن الهيئة، معتبرا أنّه غير قابل للتّأويل ويُشكل مسًّا مباشرًا بقانون انتخاب نافذ، ورأى أنّ الجواب "ينُم عن وجود خطّة تهدف إلى منع إجراء الانتخابات النّيابيّة في موعدها ولعله جاء "بإيعازٍ من جهةٍ ما" من دون أن يُسمّيها. وللتذكير ختم كلامه،"كنتُ وما زلتُ أُصِرّ على إجراء الانتخابات في موعدها، وعلى جميع الأطراف أن تتحمّل مسؤوليّاتها بتسهيل إنجازها، بدل وضع العراقيل في وجه استحقاقٍ دستوريٍّ أساسيّ".

معطوفا على موقف بري جاء بيان التيار الوطني الحر الذي اعتبر أن ما" يتم تداوله حول رأي هيئة التشريع والإستشارات، هو هرطقة دستورية وقانونية ولا يجوز التوقف عنده.  فالقانون نافذ، والمهل فُتحت، والترشيحات بدأت. وعلى وزيري الداخلية والخارجية والحكومة القيام بالإجراءات اللازمة للاتاحة بالترشح من الخارج، والتيار الوطني الحر من جهته سيبدأ تقديم مرشحين له من الخارج. وكل ما هو غير ذلك تقصير حكومي وإداري فاضح وتتحمل الحكومة مسؤولية إفقاد العملية الإنتخابية شرعيتها القانونية.

المحلل السياسي المحامي أمين بشير يوضح ل"المركزية" أنه "يحق لأي وزير أن يستشير هيئة التشريع والإستشارات لإعطاء الرأي القانوني بأي مسألة معقدة أو فيها نقص ما، وهذا الرأي بالطبع غير ملزم. لكن المفارقة في القانون أنه في حال رفض المستشير (وهنا المقصود الوزير الحجار) تنفيذ الطلب يجب تعليل رفضه. ويلفت بشير أن " القانون الذي تقدم على أساسه الحجار بطلب الإستشارة من هيئة التشريع نافذ لكن هناك مادة يستحيل تطبيقها لأنها بحاجة إلى مراسيم وهي غير موجودة وبالتالي فإن هذه المادة معلقة حكما إنطلاقا من مبدأ أن إجراء الإنتخابات حق دستوري وركن أساسي في النظام اللبناني وعليه يمكن للمغتربين الإدلاء بأصواتهم ل 128 نائبا كل بحسب مكان قيده. وبذلك تكون الهيئة قد عملت على تعليق مادة واحدة بسبب استحالة استحداث الدائرة 16 للأسباب المذكورة.

" الكلام عن أن القانون واضح صحيح " في رد على موقف بري "لكن هناك آليات لإيجاد هذه الدائرة توضع إما من قبل مجلس الوزراء أو المجلس النيابي وهذا ما لم يحصل وهنا المفارقة. فصحيح أنه من حق وزير الداخلية إرسال الطلب إلى هيئة التشريع ولكن أيضا هو مقصر لأن الوزارة مقصّرة في مسألة إصدار هذه المراسيم قانونا".

وعن الغاية من طرح الحجار السؤال على هيئة التشريع يقول بشير "أنه لا يمكن إلا أن نضع سؤال الحجار في المسار السياسي الحاصل في البلد إذ لا يمكن لأي كان أن يحتج بما لم يقم به وهذا مبدأ فرنسي. فإذا كان الوزير مقصرا لا يحق له الإعتراف بهذا التقصير وفي المقابل الطلب بإيجاد حل. أيضا لا يمكن إلقاء المسؤولية على هيئة التشريع في حين لم تصدر وزارة الداخلية المراسيم المطلوبة لإحالتها على مجلس النواب وهذا ما نقرأه في السياسة أن الانتخابات ستجري بالشروط المطلوبة مع تعليق المادة المتعلقة بالدائرة 16  لكن في المسار القانوني يحق لوزير الداخلية إرسال الطلب وجواب هيئة التشريع أيضا قانوني.

في الشق السياسي "يتبين أن هناك كباشا في البلد بين موقفين سياسيين، منهم من يعتبر أن لا مصلحة لأحد بإجراء الإنتخابات باستثناء حزب الله وبالتالي موضوع التأجيل مطروح لكن لا أحد يجرؤ على التصريح بذلك ،ومع تقديم الرئيس بري طلب ترشيحه كأول مرشح نفهم أنه يريد الإنتخابات في موعدها وإذا لم تحصل سيقول أنا غير مسؤول". ويؤكد بشير أن التسويات السياسية تغلب النص القانوني وهذا الأمر طبيعي ويحصل في لبنان الذي يتصدر قائمة الدول التي تخضع فيها النصوص القانونية للسياسة بعكس كل دول العالم . إذا المسألة مطروحة وتخضع للمعادلات الإقليمية. بشكل أوضح إذا ما نجحت المفاوضات الأميركية الإيرانية تحصل الإنتخابات في التوقيت الزمني المناسب لحزب الله سواء عبر القانون الحالي أو بتعليق المادة المتعلقة بالدائرة 16. مع الإشارة أن جهوزية الحزب اليوم قد لا تتوفر بعد عام.

أما إذا فشلت فقد تؤجل، لكن المؤكد أن رئيس الجمهورية جوزاف عون لن يفرط بأول استحقاق انتخابي يحصل في عهده وعليه ، الإنتخابات ستجري إما في موعدها أو تتأجل لأسباب تقنية لمدة لا تتجاوز الشهرين.