المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الخميس 11 حزيران 2026 12:41:11
بعد أكثر من خمس سنوات على إقفال أحد أهم المنافذ التصديرية أمام المنتجات اللبنانية، طوت المملكة العربية السعودية رسمياً صفحة الحظر المفروض على الواردات اللبنانية منذ عام 2021، في خطوة تتجاوز أبعادها التجارية المباشرة لتُشكّل مؤشراً لتحسن العلاقات اللبنانية - السعودية وعودة الثقة بالإجراءات الرقابية التي اتخذتها الدولة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة.
القرار لا يعني فقط استعادة سوق كانت تستورد عشرات آلاف الأطنان من المنتجات اللبنانية سنوياً، بل يعيد فتح البوابة الأساسية نحو الأسواق الخليجية التي شكّلت تاريخياً الرئة التصديرية للقطاعين الزراعي والصناعي اللبنانيين، ويأتي في وقت يسعى فيه لبنان إلى إعادة ترميم علاقاته الخليجية واستعادة حضوره الاقتصادي في المنطقة، بعد سنوات من التوتر السياسي والتراجع التجاري.
السعودية... السوق الكُبرى للمنتجات اللبنانية
طوال عقود، احتلّت المملكة العربية السعودية موقع الشريك التجاري الأهمّ للبنان على مستوى الصادرات الزراعية والغذائية، وشكّلت إحدى أبرز الوجهات للصناعات اللبنانية.
وتشير أرقام وزارة الزراعة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت تستحوذ قبل عام 2020 على نحو 45% من مجمل الصادرات الزراعية اللبنانية، توزّعت بين 13% إلى السعودية، و12.5% إلى الكويت، و7.6% إلى قطر، و7.5% إلى الإمارات العربية المتحدة، و3% إلى سلطنة عمان و1.5% إلى البحرين.
كذلك، كانت دول الخليج تستورد سنوياً نحو 200 ألف طن من الخضر والفواكه اللبنانية، استحوذت السعودية وحدها على نحو 60 ألف طن منها، ما جعلها السوق الأكثر أهمية للمزارعين اللبنانيين.
أما على مستوى التجارة الإجمالية، فقد بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية نحو 356 مليون دولار عام 2015، قبل أن تتراجع إلى 217 مليونا عام 2020 نتيجة الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، لكنها بقيت من أكبر الأسواق الخارجية للمنتجات اللبنانية.
من تهريب الكبتاغون إلى الحظر الشامل
بدأت الأزمة في 23 نيسان 2021 عندما أعلنت السلطات السعودية إحباط محاولة تهريب أكثر من 2.5 مليوني حبة أمفيتامين (كبتاغون) مخبأة داخل شحنة رمان من لبنان. على الأثر، قررت الرياض منع دخول الفواكه والخضر اللبنانية أو عبورها من أراضيها إلى حين تقديم السلطات اللبنانية ضمانات موثوقاً بها لمنع تكرار عمليات التهريب.
لكن التداعيات لم تتوقف عند هذا الحد. ففي تشرين الأول من العام نفسه، توسع الحظر ليشمل مختلف الواردات اللبنانية، بالتزامن مع أزمة ديبلوماسية بين البلدين، ما أدى عملياً إلى شبه توقف كامل للصادرات اللبنانية نحو المملكة.
وربطت السعودية القرار آنذاك بتنامي محاولات تهريب المخدرات عبر الشحنات التجارية، فيما شهدت العلاقات السياسية بين البلدين توتراً متصاعداً على خلفية مواقف "حزب الله" ودوره الإقليمي، إضافة إلى اتهامات خليجية بوجود نفوذ واسع للحزب داخل مؤسسات الدولة والمرافق الحدودية.
أرقام تكشف حجم الخسائر
أحدث الحظر السعودي صدمة قوية للقطاعات الإنتاجية اللبنانية، ولا سيما القطاع الزراعي الذي خسر أبرز أسواقه الخارجية.
فبحسب وزارة الزراعة، تراجع الصادرات الزراعية اللبنانية إلى دول الخليج من نحو 200 ألف طن سنوياً قبل الحظر إلى نحو 77 ألف طن فقط خلال السنوات اللاحقة.
ومع تراجع النفاذ إلى الأسواق الخليجية، وبعد توقف الاستيراد من المملكة العربية السعودية اعتباراً من 25 نيسان 2021، شهد القطاع الزراعي اللبناني انخفاضاً ملحوظاً في حجم الصادرات، فيما تراجعت الصادرات الزراعية اللبنانية إلى دول الخليج إلى نحو 77 ألف طن فقط، ما انعكس سلباً على الإنتاج الزراعي ودخل المزارعين واستدامة سلاسل القيمة في القطاع.
أما على المستوى المالي، فقد بلغت قيمة الصادرات الزراعية اللبنانية إلى دول الخليج نحو 242 مليون دولار أميركي عام 2020، منها 32 مليونا إلى المملكة العربية السعودية، قبل أن تتراجع إلى نحو 14 مليون دولار فقط عام 2024، في مؤشر واضح لحجم التأثيرات الاقتصادية الناتجة من فقدان هذه الأسواق الحيوية.
وعلى مستوى التجارة مع السعودية، تراجعت قيمة الصادرات اللبنانية من 217 مليون دولار عام 2020 إلى 124 مليون دولار عام 2021 بسبب تطبيق الحظر على مرحلتين، قبل أن تنهار إلى نحو 273 ألف دولار فقط عام 2022، ثم إلى نحو 154 ألف دولار عام 2024، وفق أرقام "الدولية للمعلومات".
أما الخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي فقدّرت بأكثر من مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة فقدان السوق السعودية وتعطّل حركة التصدير نحو الخليج.
خسائر الصناعة
لم تكن الصادرات اللبنانية إلى المملكة مقتصرة على المنتجات الزراعية فقط، بل شملت فئة واسعة من السلع الصناعية والغذائية والاستهلاكية.
ففي عام 2020، وهو آخر عام كامل سبق فرض الحظر، بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية نحو 182.6 مليون دولار، وتوزعت على مئات المنتجات الزراعية والصناعية.
وتصدرت الشوكولا والمحضرات الغذائية قائمة الصادرات اللبنانية بقيمة تجاوزت الـ 10 ملايين دولار، أي ما يقارب 5% من الصادرات الإجمالية، كما بلغت صادرات مستحضرات التجميل والعناية الشخصية أكثر من 10 ملايين دولار، مشكّلة النسبة نفسها تقريباً.
كذلك، شملت أبرز الصادرات اللبنانية إلى السعودية:
• العنب الطازج والمجفف بقيمة 7.5 ملايين دولار.
• الكتب والمطبوعات بقيمة تقارب الـ 7 ملايين دولار.
• الأدوية بقيمة 6.8 ملايين دولار.
• الصابون بقيمة 5.9 ملايين دولار.
• الذهب والحلي والمجوهرات بقيمة تقارب الـ 5 ملايين دولار.
إلى ذلك، صدّر لبنان إلى السعودية منتجات صناعية متنوعة شملت مجموعات توليد الكهرباء والمحركات الكهربائية وخزانات المياه والبراميل المعدنية وأجهزة الإنارة والمواسير والمعدات والآلات الصناعية المختلفة، فضلاً عن الأحذية وحفاضات الأطفال ومنتجات العناية الشخصية.
وتكشف هذه الأرقام أن الحظر لم يضرب الزراعة وحدها، بل أصاب أيضا قطاعات صناعية وغذائية ودوائية وحرفية كانت تعتمد على السوق السعودية.
أكثر من سوق... بوابة إلى الخليج
تكمن أهمية القرار السعودي في أن المملكة لم تكن مجرد سوق استهلاكية ضخمة للمنتجات اللبنانية، بل شكلت أيضاً نقطة ارتكاز لحركة التصدير نحو بقية دول الخليج.
ويؤكد المصدرون أن إعادة فتح السوق السعودية ستنعكس تلقائيا على حركة التصدير إلى الكويت وقطر والإمارات وسلطنة عمان والبحرين، ما يعيد إحياء خطوط النقل البري والتجاري التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية.
وينظر وزير الزراعة الدكتور نزار هاني إلى القرار باعتباره محطة استراتيجية لإطلاق مسار التعافي الزراعي، وتحفيز الإنتاج المحلي، وإعادة تنشيط سلاسل التوضيب والتسويق والتصدير، بما ينعكس مباشرة على آلاف العائلات التي تعتمد على القطاع الزراعي مصدرا رئيسيا للدخل.
فرصة للتعافي ورسالة ثقة
لا يقتصر أثر القرار على الجانب التجاري، بل يحمل أيضاً دلالات سياسية واقتصادية تتعلق بعودة العلاقات اللبنانية - السعودية إلى مسار أكثر استقراراً، بعد الإجراءات التي اتخذتها الدولة اللبنانية خلال العامين الماضيين لتشديد الرقابة على المرافئ والمعابر وعمليات التصدير.
ورغم الترحيب الواسع بالقرار، فإن عودة الصادرات إلى مستويات ما قبل عام 2021 لن تكون فورية، إذ إن كثيراً من المصدّرين خسروا أسواقهم التقليدية، وأقفلت مؤسسات وشركات أبوابها، فيما تبدّلت شبكات التوزيع والاستيراد داخل المملكة خلال السنوات الخمس الأخيرة.
لكن المؤكد أن رفع الحظر يفتح نافذة جديدة أمام الاقتصاد اللبناني في مرحلة يحتاج فيها بشدّة إلى أيّ مصدر للنمو والعملات الأجنبية. وإذا نجح لبنان في الحفاظ على المعايير الأمنية والرقابية المطلوبة، فقد يشكل القرار بداية استعادة تدريجية لسوق كانت تستوعب مئات ملايين الدولارات من المنتجات اللبنانية وتوفر آلاف فرص العمل في الزراعة والصناعة والخدمات اللوجيستية.