المصدر: المدن
الكاتب: حسن فقيه
الجمعة 20 شباط 2026 10:51:27
يحيط لغز كبير بملف الانتخابات النيابية، ويضع إجراءها في مواعيدها ضمن دائرة الخطر. فمع تأكيد جميع القوى السياسية معارضتها تأجيل الاستحقاق الدستوري، إلا أن المعطيات التي باتت تحيط بالملف تعاكس توجّهات التصريحات العلنية. طرفان أساسيان في هذا الاستحقاق يسعيان إلى تأكيد حضورهما رغم نتائج الحرب الأخيرة وما رافقها من رهانات على انخفاض قاعدتهما الشعبية، وهما حركة أمل وحزب الله، المتمسكان بإجراء الانتخابات في أيار وفقاً للقانون النافذ، أي ضمن إطار الدائرة السادسة عشرة للمغتربين. ورأس حربة هذا التوجّه هو رئيس مجلس النواب نبيه بري. فكيف يقارب الثنائي الشيعي الأمر؟ وماذا عن صيغة التحالفات والترشيحات التي بدأ بعضها يظهر إلى العلن؟
ترشيح في الدائرة السادسة عشرة
وفق ما علمت "المدن"، فإن مسار إجراء الاستحقاق الانتخابي سيتخذ منحى جديداً عبر ترشيح حركة أمل شخصية عن الدائرة السادسة عشرة المخصصة للخارج، هو عباس فواز، الرئيس العالمي السابق للجامعة الثقافية اللبنانية في العالم. وقد علمت "المدن" أن الرئيس نبيه بري أوعز لفواز بتقديم أوراق ترشيحه هذا الأسبوع لينضم إلى قافلة مرشحي الحركة.
وتؤكد المعلومات التي حصلت عليها "المدن" أنه في حال تم رفض ترشيح فواز، فإن الرئيس بري سيواجه المسألة ضمن الأطر القانونية، وسيذهب بالأمر حتى النهاية، انطلاقاً من وجود قانون نافذ يُلزم الحكومة قبول الترشيحات عن تلك الدائرة. وبهذه الخطوة، يضع بري خصومه السياسيين في موقف صعب، مؤكداً أولاً رفضه أي حديث عن تعديل القانون أو محاولة تأجيل الاستحقاق أو استخدام الدائرة السادسة عشرة باباً للمناورة، وثانياً يقطع الطريق على من يشكك في جدية حركة أمل بتمسكها بإجراء الانتخابات، وهي أول من بادر إلى فتح باب الترشيح عبر تقديم أوراق رئيسها عن دائرة الجنوب الثانية.
ثبات الترشيحات في أمل
على صعيد المرشحين، يبدو أننا نسبياً أمام صفر تغيير في صفوف ثنائي "أمل" و"حزب الله". فقد رشّحت حركة أمل رسمياً حتى الآن كلاً من: نبيه بري، قبلان قبلان، علي خريس، قاسم هاشم، ومحمد خواجة الذي أقفل الباب أمام ما تم تداوله عن استبداله في دائرة بيروت الثانية. سترشح الحركة أيضاً عناية عز الدين في صور، علي عسيران وميشال موسى في الزهراني، هاني قبيسي وناصر جابر في النبطية، غازي زعيتر في البقاع، إبراهيم عازار في جزين، فادي علامة في بعبدا. كما بات الحديث جدياً عن إعادة ترشيح مروان خير الدين في دائرة الجنوب الثالثة، إلى جانب علي حسن خليل، كما سيترشح أيوب حميد وأشرف بيضون في بنت جبيل.
وبذلك، تكون حركة أمل عملياً لم تُبدّل أياً من مرشحيها مقارنة بعام 2022، حيث لم يجتز كل من خير الدين وعازار الاختبار حينها. وفي هذا الإطار، تقول مصادر في قيادة الحركة لـِ "المدن" إن مقاربة الحركة لمسألة الترشيحات لا تنطلق من منطق التبديل الشكلي للأسماء، بقدر ما ترتكز على معيار الاستمرارية المنتجة والمسؤولية الوطنية. فالثبات في بعض الأسماء ليس تعبيراً عن جمود، بل انعكاس لقراءة سياسية ترى في التجربة المتراكمة عنصر قوة في هذه المرحلة الدقيقة.
حسابات حزب الله الانتخابية
أما فيما يخص حزب الله، والتكتّم الذي يحيط بأسماء مرشحيه، فقد علمت "المدن" أن الحزب يسير نسبياً في الاتجاه نفسه، وحسم ترشيح كل من: أمين شري في بيروت، حسن فضل الله في بنت جبيل، علي فياض في مرجعيون، علي عمار في بعبدا، رائد برو في جبيل، حسين الحاج حسن، إيهاب حمادة، إبراهيم الموسوي، وعلي المقداد في البقاع. وكان الحديث يدور حول إمكانية تغيير أحد المرشحين في صور، إلا أن التوجه يميل إلى الإبقاء على حسين جشي وحسن عز الدين.
كما كانت هناك مداولات حول اسم رامي أبو حمدان في زحلة، لكن الاتجاه يسير نحو تثبيته، فيما سيكون جميل السيد أيضاً على لائحة الحزب في البقاع، رغم ما تردد عن استبداله بمرشح آخر. أما رئيس الكتلة محمد رعد، الذي يتولى مهام نائب الأمين العام في حزب الله، فقد كان ترشيحه من عدمه محل تساؤل في الفترة الأخيرة، على قاعدة إبقائه خارج البرلمان برغبة شخصية للتفرغ للعمل التنظيمي والمسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقه. إلا أنه، وبحسب معلومات "المدن"، فإن الحزب يقارب المسألة من زاوية الحصانة السياسية، إذ إن خروجه من العمل النيابي قد يرفع مستوى المخاطر الأمنية في ظل إمكانية استهدافه إسرائيلياً، كونه من أبرز شخصيات المرحلة في الحزب، مع حديث عن أدوار مركزية له حتى في الملف الجهادي. وعليه، يتجه الحزب إلى إبقائه مرشحاً في النبطية.
وبذلك، يكون الثنائي قد أبقى على جنوده البرلمانيين من دون تغيير يُذكر للمرحلة المقبلة، طبعاً في حال إجراء الانتخابات.
دوائر الخطر المحتملة
على صعيد الدوائر، وبحسب النقاشات التي دارت بين الجانبين خلال اجتماعات عدة على المستوى القيادي، فإن أمل وحزب الله لا يستشعران خطراً في دوائر الجنوب والبقاع، بل إن أساس أي محاولة خرق شيعي يكمن في بعبدا وبيروت الثانية وجبيل. ففي بعبدا، نال علي عمار 14852 صوتاً تفضيلياً، فيما نال فادي علامة 4862 صوتاً، ما وضع الأخير حينها في دائرة خطر الخرق. أما في بيروت الثانية، فقد حصد أمين شري 26363 صوتاً، بينما نال محمد خواجة 5789 صوتاً، ما يفتح الباب أمام حديث عن توزيع متوازن للأصوات التفضيلية لضمان عبور آمن للمرشحين.
وفي جبيل، حيث نال رائد برو 9508 أصوات، تشير المعلومات إلى نضوج في الحديث مع التيار الوطني الحر للتحالف في هذه الدائرة مقابل دعم مرشحه في بيروت. وقد علمت "المدن" أن النقاش حول دعم التيار والتحالف معه تكثّف خلال الأيام الماضية عبر مداولات مباشرة بين الحزب والتيار، من دون أن يرقى إلى مستوى تفاهم شامل على امتداد لبنان.
ليس من مصلحة الحزب، حتى مع خذلان التيار له في مناسبات عدة، أن يتراجع تمثيله لصالح القوات اللبنانية. مع العلم أن الثنائي قادر على تأمين مقاعد إضافية في حال جير أصواته في بعض الدوائر لمرشحين محسوبين عليه من دون دعم التيار. ووفق معلومات "المدن"، فإن التيار الوطني الحر سيبادر هذا الأسبوع أيضاً إلى تقديم ترشيحاته، وكذلك حزب الله خلال أيام قليلة، ما يجعل ثلاثي أمل – حزب الله – التيار الوطني الحر في دائرة الأحزاب التي ترفض أي تأجيل، ولو كان تقنياً.
وتؤكد أوساط عين التينة لـ"المدن" أن رئيس المجلس يتحدث بثقة تامة عن إجراء الاستحقاق، وعن ارتياحه لوضع الثنائي الشيعي، وأنه لا يستخدم الإقبال على الترشيح وسيلة ضغط، بل ينطلق من منطق دستوري واضح. علماً أن "المدن" كانت قد نقلت سابقاً عن مصادر في الحركة أنه في حال إجماع كل القوى على التمديد، فإنها لن تقف عثرة، سواء لنصف ولاية أو لولاية كاملة، رغم معارضتها المبدئية للأمر.
في الاجتماعات التي عقدت بين الثنائي، كان التأكيد على ضرورة التنسيق العالي لتمرير الاستحقاق وكبح أي محاولة لخرق شيعي، بل إن ترشيح أحد المحسوبين على تيار المستقبل الأرجح "بهية الحريري" في صيدا سيؤمن مرور إبراهيم عازار، فيما يساهم التوافق الدرزي في تأمين مرور مروان خير الدين في مرجعيون، ما قد يرفع عدد نواب الثنائي في الندوة البرلمانية، مع العمل على تكثيف التصويت في دوائر محددة للفوز بعدد أكبر من المقاعد. فهل يرتفع عدد نواب الثنائي من 30 إلى نحو 35 نائباً؟
بين المعلن والمخفي
على العموم، توحي تحضيرات حركة أمل وحزب الله بأن الاستحقاق حاصل لا محالة، ودخول التيار على خط الترشيحات هذا الأسبوع يمنح زخماً إضافياً. في المقابل، ثمة مداولات، بحسب "المدن"، بين حركة أمل والقوات اللبنانية حول مستجدات الملف، من دون بلوغ نقطة تلاقٍ حتى الساعة. ومع ذلك، لا تزال علامات الاستفهام كبيرة حول إجراء الانتخابات، وقد يفتح توجه الثنائي الباب أمام تنازل من الطرف الآخر بإلغاء الدائرة السادسة عشرة مقابل تصويت المغتربين من لبنان، أو طرح قانون لتمديد ولاية المجلس والتصويت عليه.
لكن من سيصوّت لمصلحة خيار يُعلَن رفضه خارج إطار التفاوض؟ الوقت يضيق، وباب المناورة لم يعد واسعاً، وأيام قليلة تفصل البلاد عن اتضاح الصورة: إما تسوية شاملة، وإما كباش سياسي مفتوح لا تُعرَف نتائجه.