المصدر: المدن
الكاتب: بتول يزبك
الخميس 27 آب 2026 00:33:39
منذ وقف إطلاق النار، لم يكتفِ الجيش الإسرائيليّ بخرق الاتفاق، بل وسّع نطاق سيطرته إلى عشر بلدات جنوبيّة لم تكن مدرجة ضمن المنطقة الأمنيّة التي أقامها، أو ما سمّاه "الخطّ الأصفر". وهي كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وبيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، وحاريص، ومجدل زون، والمنصوري، وبيوت السياد.
لكنّ هذه البلدات لا تخضع لنمط عسكريّ واحد. ففي ثمانٍ منها، سُجّلت عمليات دخول أو تفجير ميدانيّ وتحريك آليّات. أمّا في النبطية الفوقا وعيتا الجبل، ففرضت إسرائيل سيطرة بالنار من المواقع المحيطة، ومنعت الحركة والعودة من دون انتشار دائم داخل الأحياء.
إذًا، لا تتعلّق المسألة بعشرة خروقات متفرّقة. ثمّة عمليّة قضم مترابطة. تبدأ بالتوغّل، يليها تدمير المنازل والطرق، ثمّ إفراغ المنطقة من سكّانها وإخضاعها للنار. وفي مرحلة لاحقة، تُرفع السواتر وتُبنى الدِشم، ويحتاج كلّ موقع جديد إلى نطاق حماية إضافيّ. هكذا تتّسع رقعة السيطرة من دون إعلان ضمّ، ويتحوّل "الخطّ الأصفر" من نطاق عسكريّ يفترض أنّه مؤقّت إلى حدود إسرائيليّة متحرّكة داخل الأراضي اللبنانيّة.
الخريطة الجديدة لا تُرسَم بخطّ مستقيم، بل عبر نقاط متباعدة ومترابطة. من المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد غربًا، إلى بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وعيتا الجبل وحاريص وسطًا، وصولًا إلى كفرتبنيت والنبطية الفوقا ومرتفعات علي الطاهر. وبين هذه النقاط، تعمل إسرائيل، وفق معطيات ميدانيّة، على إنشاء مواقع ثابتة في زوطر الشرقيّة وأرنون ويحمر، ورفع دِشم وسواتر ترابيّة لا توحي بأنّها تتصرّف كقوّة تستعدّ للمغادرة.
من ثماني بلدات إلى عشر
حتّى تاريخ 19 آب، وثّقت مصادر أمنيّة، توسّع السيطرة الإسرائيليّة في ثماني بلدات بعد وقف إطلاق النار. وشملت اللائحة كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وبيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، ومجدل زون، والمنصوري. وتراوحت العمليات بين التوغّل البرّي، والتفجيرات، وفرض حظر تجوّل بالنار، ومنع المدنيين من العودة.
لاحقًا، دخلت الدبّابات والجرافات الإسرائيليّة إلى حاريص، بعدما تجاوزت "الخطّ الأصفر". وتقدّمت إلى داخل البلدة، وجرّفت طريقًا يفصل أحد أحيائها عن المركز، ما دفع سكّانه إلى المغادرة. لم تكن العملية اقترابًا من الأطراف، بل دخولًا ميدانيًا موثّقًا، رفع العدد إلى تسع بلدات، وأثبت أنّ إسرائيل لا تتعامل مع "الخطّ الأصفر" بوصفه سقفًا لتحرّكها، بل نقطة انطلاق قابلة للتجاوز.
ومع انتقال العمليات إلى بيوت السياد، وحرق المنازل ونسف المباني فيها، ارتفع العدد إلى عشر بلدات. وأصبحت بيوت السياد امتدادًا مباشرًا لمحور المنصوري ومجدل زون، لا حادثة منفصلة عنه. فالبلدات الثلاث تقع ضمن نطاق جغرافيّ واحد، وتعرّضت لعمليات متشابهة تقوم على إبعاد الأهالي، والنسف، وإحراق الممتلكات، وفرض السيطرة بالنار.
أمّا العمليات عند قلعة دوبيه، فتُسجّل بوصفها توغّلًا إلى أطراف شقرا، لا دخولًا إلى البلدة نفسها. كذلك، لا تُضاف كونين إلى العدد الأساسيّ، على الرغم من عمليات التفجير والتحرّكات العسكريّة التي شهدتها، لعدم توافر معطيات كافية تسمح بتصنيفها ضمن نطاق التوسّع الجديد. وهذا التفريق ضروريّ، لأنّ الخلط بين مركز البلدة وأطرافها، أو بين التوغّل والقصف، يضعف دقّة الخريطة.
ثلاثة محاور لحركة واحدة
في القطاع الغربيّ، تبرز المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد. ولا تكمن أهميّة هذا المحور في قربه من الحدود فقط، بل في إشرافه على الساحل والطريق المؤدّية إلى صور والناقورة.
تعرّضت المنصوري لسلسلة متواصلة من التفجيرات والتجريف. وبلغت نسبة الدمار فيها، وفق تقديرات بلديّتها، نحو 90 في المئة. وبعد إبعاد الأهالي، تحوّلت البلدة الزراعيّة والسياحيّة إلى مساحة شبه فارغة. واستمرّت عمليات النسف، وتدمير المنازل والبساتين والآبار، بما يتجاوز استهداف بنية عسكريّة محدّدة إلى تعطيل شروط العودة والحياة.
وفي مجدل زون، نُفّذت تفجيرات متكرّرة بعد دخول القوّات الإسرائيليّة إليها. أمّا بيوت السياد، فتحوّلت إلى امتداد للعملية نفسها، مع إحراق المنازل ونسف المباني وإطلاق النار. وبذلك، تتشكّل في الغرب مساحة ضغط واحدة، هدفها توسيع نطاق السيطرة حول الساحل وإفراغ محيطه السكّاني.
في القطاع الأوسط، تبدو الخريطة أكثر تشعّبًا. فقد دخلت القوّات الإسرائيليّة إلى بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وحاريص، فيما فرضت سيطرة ناريّة على أطراف عيتا الجبل. وتلامس هذه البلدات مسارات وادي السلوقي، وتتحكّم بجزء من شبكة الطرق التي تربط بنت جبيل وتبنين بمحيط النبطية.
لذلك، لا تعني السيطرة على طريق أو مرتفع في هذا المحور مكسبًا محليًّا فحسب. فهي تسمح بمراقبة الحركة بين البلدات، وقطع الطرق الفرعيّة، وعزل الأحياء، وفرض حظر تجوّل بالنار على مساحة تتجاوز مكان وجود القوّات نفسها.
أمّا المحور الثالث، فيمتدّ من كفرتبنيت والنبطية الفوقا إلى مرتفعات علي الطاهر. وتكتسب كلّ حركة إسرائيليّة فيه قيمة مضاعفة، لأنّ المرتفعات تمنح إشرافًا ناريًا على النبطية ومحيطها، وتسمح بمراقبة الطرق بين شمال الليطاني وجنوبه. ولهذا تكرّرت التفجيرات في كفرتبنيت، وعمليات القصف والتمشيط عند النبطية الفوقا، بالتوازي مع القصف المكثّف لعلي الطاهر.
السيطرة لا تحتاج إلى احتلال كامل
من الضروريّ التمييز بين التوغّل، والسيطرة بالنار، والتمركز الثابت. فليس كلّ دخول إلى بلدة احتلالًا كاملًا لها. في بعض البلدات، تدخل القوّة ساعات ثمّ تنسحب. وفي أخرى، تصل الجرافات إلى الأطراف، وتقطع طريقًا أو تنسف مباني. وفي مناطق، تفرض الدبّابات والمسيّرات سيطرة تمنع الأهالي من العودة، من دون وجود عسكريّ دائم داخل الأحياء.
لكنّ هذا التمييز لا يقلّل من خطورة ما يجري. فالاحتلال لا يبدأ دائمًا بإعلان رسميّ. قد يبدأ بمنع السكّان من العودة، وتجريف مقوّمات الحياة، وتحويل الأرض إلى مساحة مكشوفة، ثمّ إقامة مواقع على تخومها. وحين يستحيل السكن والوصول والزراعة، تصبح السيطرة بالنار قريبة في نتائجها من السيطرة المباشرة.
هذا هو معنى "حظر التجوّل بالنار". لا يصدر قرار مكتوب، لكنّ كلّ سيارة تتحرّك تصبح عرضة للاستهداف، وكلّ عائلة تحاول العودة تتعرض لخطر القصف. ومع الوقت، يترسّخ الفراغ السكّاني، وتتحوّل السيطرة المؤقّتة إلى أمر واقع طويل الأمد.
وعليه، لا يصحّ وصف البلدات العشر جميعها بأنّها "محتلّة" بالمعنى العسكريّ نفسه. الأدقّ هو الحديث عن خريطة متعدّدة الطبقات، تضمّ بلدات دخلتها القوّات، وأخرى فُرضت عليها سيطرة بالنار، ومناطق تشهد بناء تحصينات ثابتة، وبلدات حُوّلت إلى نطاقات مدمّرة وطاردة للسكّان.
التحصين يكشف نيّة البقاء
في موازاة التوسّع في البلدات العشر، تفيد معلومات "المدن" بأنّ القوّات الإسرائيليّة تعمل على بناء مواقع ثابتة في زوطر الشرقيّة وأرنون ويحمر. وتشمل الأعمال رفع سواتر ترابيّة، وتجهيز دِشم، وتحصين نقاط تراقب الطرق والمرتفعات المحيطة.
لا تُضاف هذه البلدات إلى لائحة العشر، لأنّها تندرج ضمن مسار ميدانيّ مختلف. لكنّها تشكّل مؤشّرًا أكثر خطورة. فالتوغّل قد يكون مؤقّتًا، أمّا التحصين فيعني إعداد الموقع للاستخدام المتكرّر أو الطويل، والاحتفاظ بالقدرة على العودة إليه، حتّى إذا اضطرت إسرائيل إلى سحب جزء من قوّاتها بفعل المفاوضات.
كما أنّ اختيار زوطر الشرقيّة وأرنون ويحمر ليس عشوائيًّا. فالبلدات الثلاث تقع ضمن نطاق متّصل بمرتفعات علي الطاهر ومجرى الليطاني ومداخل النبطية. وعند ربط هذه التحصينات بالتحرّكات في كفرتبنيت والنبطية الفوقا، تظهر شبكة عسكريّة تسمح لإسرائيل بالتحكّم بالطرق والممرّات، من دون الحاجة إلى انتشار كثيف في جميع البلدات.
الجرافة تسبق المفاوض
بعد وقف إطلاق النار واتفاق الإطار اللاحق، كان يُفترض أن يبدأ مسار معاكس، تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجيًا، وينتشر الجيش اللبناني، ويعود الأهالي. لكنّ الوقائع الميدانيّة اتخذت اتجاهًا آخر. انسحبت إسرائيل من منطقة محدودة، ثمّ عوّضت ذلك بتوسيع نطاق تحرّكها في بلدات أخرى.
والمفارقة ليست عسكريّة فقط، بل تفاوضيّة أيضًا. فكلّما دخلت إسرائيل بلدة جديدة، أصبحت هذه البلدة بندًا جديدًا على الطاولة. وكلّما بنت ساترًا أو موقعًا، تحوّل الانسحاب منه لاحقًا إلى "تنازل" يمكن أن تطلب مقابلًا له.
بهذه الطريقة، لا تفاوض إسرائيل انطلاقًا من الخريطة التي كانت قائمة عند وقف النار، بل من الخريطة التي تصنعها خلال التفاوض. وهي توسّع ميدانيًا أولًا، ثمّ تفاوض على حدود انسحابها ممّا استحدثته. وبذلك، لا يعود التفاوض محصورًا بإنهاء الاحتلال السابق، بل يصبح مسارًا لمعالجة وقائع تُفرض في خلال العملية التفاوضيّة نفسها.
الدولة أمام امتحان الخريطة
الجيش اللبنانيّ أعلن أنّ الاعتداءات والتفجيرات الإسرائيليّة في كفرتبنيت وحداثا وكونين والمنصوري وبيوت السياد ومجدل زون تعيق انتشاره، وتمنع عودة الأهالي، وتعرقل تنفيذ التفاهمات. وهذا يضع المشكلة في مكانها الفعليّ. فإسرائيل لا تملأ فراغًا، بل تمنع الدولة اللبنانيّة من ملئه.
صحيح أنّ حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة شرط لاستعادة السيادة. لكنّه لا يمكن أن يتحوّل إلى ترخيص إسرائيليّ بتوسيع الاحتلال. فالمعادلة السياديّة لا تقوم على الاختيار بين سلاح غير شرعيّ واحتلال إسرائيليّ. المطلوب إنهاء الاثنين، عبر انسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش، واحتكار الدولة وحدها للسلاح والأمن.
ويحتاج لبنان، في موازاة التحرّك الدبلوماسيّ، إلى خريطة رسميّة محدّثة، تحدّد إحداثيّات كلّ دخول، وتاريخه، وطبيعة الوجود العسكريّ، وحجم التحصينات، والبلدات التي يُمنع سكّانها من العودة. فالخلاف على المصطلحات ليس تفصيلًا. وإذا لم يثبّت لبنان حدود الخرق، ستتمكّن إسرائيل من تحويل الوقائع المؤقّتة إلى نقطة انطلاق لأيّ تسوية مقبلة.
إذًا، العدد المثبّت هو عشر بلدات، لا رقم تقريبيّ. لكنّ خطورة الرقم لا تكمن في ارتفاعه من ثمانٍ إلى عشر خلال أسبوع، بل في أنّ التوسّع يجري تحت مظلّة وقف النار، وبالتوازي مع المفاوضات. وهذا يعني أنّ إسرائيل لا تنتظر نتيجة التفاوض، بل ترسم بالآليّات والجرافات الخريطة التي تريد فرضها عليه.