عن أرزة لبنانية في البيت الأبيض

في الثامن والعشرين من أبريل 1978، زرع الرئيس الأميركي، حينذاك، جيمي كارتر أرزة لبنانية في حديقة البيت الأبيض، بمناسبة يوم الشجرة، دلالة على عمق العلاقات الأميركية اللبنانية المتجذرة.

ترمز الأرزة إلى “صفات القوة والجمال والسلام التي تميز لبنان”، كما جاء في موقع إدارة الحدائق الوطنية في الولايات المتحدة. وفي الصورة الأرشيفية التي نشرها الموقع، يظهر كارتر حاملا معولا وهو يقوم بزرع أرزة متوسطة الحجم، بارتفاع حوالي ثلاثة أمتار.

المفارقة أن الأرزة زُرعت في نهاية السبعينيات بينما لبنان غارق في حربه الأهلية، وبعد شهور قليلة من اجتياح إسرائيلي واسع لجنوب لبنان ضمن حملة عسكرية أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية الليطاني”، هدفت إلى طرد المسلحين الفلسطينيين إلى شمال النهر.

اليوم يعود رئيس لبناني إلى البيت الأبيض والأرزة هناك وقد صارت فارعة الطول، كثيفة الأغصان، وتبدو في أحسن أحوالها، فيما يحاول لبنان الخروج من حرب مدمرة، لينفض عنه النار والدمار.

وفي تكرار مدهش للتاريخ، تجتاح إسرائيل جنوب لبنان هذه المرة، بعد 48 عاما، لطرد مقاتلي “حزب الله” من جنوب الليطاني، والعمل على سحب سلاحه.

نجحت إسرائيل في العام 1982، بعد اجتياح ثان واسع وصل إلى العاصمة بيروت، في طرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات إلى خارج لبنان.

لكن معضلة العمليات العسكرية ضد إسرائيل انطلاقا من الجنوب اللبناني، ظلت بلا حل، حتى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، قبل ان يبادر “حزب الله” في العام 2006 إلى تنفيذ عملية خطف جنود إسرائيليين عبر الحدود، اشعلت حربا دامت 33 يوما بين إسرائيل والحزب الشيعي اللبناني المدعوم من إيران.

ثم تكرر الأمر في “اسناد غزة” بعد يوم واحد على السابع من أكتوبر 2023، ليستدرج “حزب الله” حربين مدمرتين على نفسه وعلى لبنان، تنتهيان إلى احتلال إسرائيل أجزاء من الجنوب كمنطقة عازلة صفراء داخل الأراضي اللبنانية.

مع كل هذه السنوات، ومع اشتداد العواصف السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، ومع كل ما مر به لبنان من حروب وانهيارات و”يباس” على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، كانت الأرزة في حديقة البيت الأبيض تزداد اخضرارا وقوة، إلى جانب  عشرات الأشجار الأخرى التي غرسها رؤساء سابقون، منها ثلاث شجرات زرعها الرئيس ترامب والسيدة الأولى ميلانيا في ولايتيه، هي على التوالي ماغنوليا وقيقب أحمر وسنديان أبيض أميركي.

والأرزة بالنسبة إلى لبنان رمز وطني، موضوع على العلم، ومذكورة في النشيد الوطني، رمزا للمجد والخلود (مجده أرزه رمزه للخلود). كما ظهر الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال لقائه مع الرئيس دونالد ترامب، وهو يرتدي ربطة عنق عليها شعار الأرزة.

ولا نعرف إن كانت الفرصة قد سنحت للرئيس اللبناني، أثناء زيارته، لإلقاء نظرة على الأرزة التي زرعها كارتر قبل نحو نصف قرن. لكن حضورها في حديقة البيت الأبيض يختصر مفارقة كبيرة، أن تنمو شجرة لبنانية بثبات وتزداد اخضرارا في الخارج، يبنما يبقى البلد الذي تقترن باسمه يتنقل من حرب إلى أخرى، باحثا في كل مرة عن فرصة للنجاة.