غارات البقاع المكثفة .... حرب المخازن الاستراتيجية

بعد الزلزال الأمني الذي شهدته بلدة النبي شيت البقاعية جرّاء محاولة الإنزال الإسرائيلية والتصدي لها من قبل حزب الله والأهالي، شهد البقاع يوم أحد هادئاً نسبيّاً، باستثناء تسجيل غارتين في جرود الخريبة. هدوء يتّسم بالحذر والترقب للخطوة المقبلة، لما يمثله البقاع من نقطة استراتيجية في حسابات إسرائيل وحزب الله.

 

عين إسرائيل على البقاع

في شباط الماضي دخل لبنان المرحلة الثانية من تطبيق قرار حصر السلاح. فمع بداية العام 2026 أعلن الجيش اللبناني تحقيق أهداف المرحلة الأولى على نحوٍ فعال وملموس وبسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سيطرته باستثناء ما تحتله إسرائيل. بيان الجيش أكد يومها أن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة، وهو ما شرحه قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام مجلس الوزراء، في إطار التمهيد لتصوّر كانت ستعرضه القيادة أمام الحكومة في جلسة لاحقة حول المرحلة الأولى من شمال الليطاني. 

لكن إسرائيل لم تنتظر مراحل الجيش المقبلة لحصر السلاح بيده، إنما قررت خوض معركة نزع سلاح حزب الله بنفسها، عبر تشديد الضربات على المناطق الواقعة شمال الليطاني من الجنوب حتى البقاع. في البقاع تحديداً نفّذ الاحتلال الإسرائيلي 68 غارة منذ بداية العام حتى ليل 26 شباط الذي شُنّت فيه وحده 21 غارة على جرود السلسلتين الشرقية والغربية  في نقاط جردية نائية سبق أن تم استهدافها. 

بعد يومين على الضربة، التي تعتبر الأعنف منذ مطلع العام، اغتالت أميركا واسرائيل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، فانخرط حزب الله في الحرب مجدّداً، وهو ما فتح باب جهنم الإسرائيلية على لبنان، فكان للبقاع حصّة وازنة. فمنذ ذاك التاريخ وحتى تمام الساعة التاسعة من ليل الأحد 8 آذار، شن الإحتلال الإسرائيلي 36 غارة على البقاع، من ضمنها الغارات التي رافقت الإنزال في النبي شيت، حيث سقط حوالى ستين شهيداً و 65 جريحاً. ليبقى السؤال الأساسي: لمَ التركيز على البقاع الذي يبعد كيلومترات طويلة عن حدودها؟ 

 

في البقاع معركة المخازن الاستراتيجة

لا يمكن الفصل بين المشهدين اللبناني والإيراني. فإسرائيل تخوض معركتها للقضاء على إيران وأذرعها، وهاجسها الأساسي هي الصواريخ بعيدة المدى التي تشكّل تهديداً لأمنها. أما تصنيع جزء من أسلحة حزب الله الاستراتيجية وتخزينها فيتم، وفق التقارير الاسرائيلية الإعلامية ودراسات مركز ألما الإسرائيلي للأبحاث، في البقاع. 

لكن لمَ قد يعتبر البقاع مركزاً استراتيجياً بالنسبة لسلاح الحزب؟ 

في الواقع، لطالما حظي حزب الله بنفوذ واسع على الحدود الواقعة عند السلسلتين الشرقية والغربية المتاخمتين للحدود السورية، حيث كان ممسكاً بالمعابر غير الشرعية على مدى سنوات طويلة. كانت الحدود الوعرة والمعروفة بطبيعتها الجغرافية المعقّدة قادرة على إخفاء خطوط إمداد للسلاح يرجّح أنها تبدأ من إيران مروراً بالعراق فسوريا وصولاً إلى لبنان. وكان نظام الأسد يشكّل الغطاء الأساسي لمرور السلاح بفعل الحلف الاستراتيجي لمحور الممانعة. 

يشكل البقاع بالنسبة لإسرائيل مقراً للتخزين الاستراتيجي لصواريخ حزب الله البعيدة المدى والدقيقة التي يصعب نشرها على الحدود، وهي قادرة على اختراق العمق الإسرائيلي، كما أنه مركز أساسي لمستودعات حزب الله ومنشآت إطلاق الصواريخ، وهو ما يفسّر استهدافها لوديان ومواقع جردية تزعم أنها مخازن أسلحة ومواقع تخزين وسائل قتالية ومقرات ومجمعات تدريب. 

وفي حين أن حزب الله لم ينف أو يؤكد يوماً طبيعة هذه الأهداف، تشير مصادر "المدن" إلى استخدامه الصواريخ البعيدة المدى لضرب العمق الإسرائيلي خلال حرب الستة والستين يوماً. وتضيف أنه في خلال اليومين الماضيين رُصد في سماء البقاع إطلاق أكثر من عشرة صواريخ باليتسية. ميزة هذا النوع من الصواريخ هو خرقها لجدار الصوت، وسرعتها، إضافة إلى قوة رأسها المتفجر الذي قد يصل إلى 400 كيلوغرام من المتفجرات. 

 

قدرة حزب الله الصاروخية...هدف لإسرائيل

ثمة قناعة لدى الدولة السورية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، أن طرق الإمداد بين إيران وحزب الله لم تنقطع بشكل كامل بالرغم من سقوط نظام الأسد، الحليف الأساسي لحزب الله. من هنا تعتبر سوريا أن حزب الله لا يزال يستبيح أراضيها لتهريب السلاح إلى الداخل اللبناني، وهو ما شكل محور الاتصالات السياسية اللبنانية – السورية من أجل الضغط على الحزب وتجنيب سوريا أيّة ضربة إسرائيلة وفق مصادر متابعة. وإذا كانت سوريا قد حشدت قواتها على الحدود لمنع التهريب، فإن إسرائيل تنتهج القضاء على خطوط الإمداد بالنار عبر تكثيف ضرباتها على البقاع.

الحرب على القدرة الصاروخية لحزب الله، ضمّنتها إسرائيل ضربة قاسية باستهداف ثلاثة مقار لحزب الله في البقاع قبل أسابيع قليلة كان في داخلها ثمانية عناصر من الحزب، تبيّن أن أحدهم هو قائد القوة الصاروخية في البقاع حسين ياغي. في حينه قالت إسرائيل إن المستهدفين هم عناصر في القوة الصاروخية، وهو ما يؤكد مرة جديدة أن تقويض قدرات حزب الله الصاروخية هي لبّ معركة تل أبيب، وأن البقاع هو أحد أبرز ساحات هذه المعركة.