المصدر: المدن
الكاتب: فاطمة البسام
الاثنين 19 كانون الثاني 2026 14:26:31
في وقت يتسارع فيه انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي حول العالم، لا يمكن للمستخدمين اللبنانيين الوصول إلى نموذج "غروك إيه آي" في منصة "إكس" المملوكة لرجل الأعمال اليميني المتطرف إيلون ماسك، حتى عند الاشتراك بالخدمات المدفوعة. وهو ما يثير أسئلة إن كان ذلك يندرج ضمن سياسة حجب رسمية، أم أنه نتيجة خيارات تقنية وقانونية تفرضها الشركات المالكة لهذه التقنيات.
وأوضح مصدر رسمي في وزارة الاتصالات لـ"المدن"، أن الوزارة لا تملك صلاحية حجب أي تطبيق أو محرك بحث أو خدمة رقمية من تلقاء نفسها، مشدداً على أن أي خطوة من هذا النوع لا تتم إلا بموجب قرار قضائي صادر عن الجهات المختصة، على أن تقتصر مهمة الوزارة على التنفيذ التقني لا أكثر. وأشار المصدر إلى أن ما يتعلق بـ"غروك إيه آي" تحديداً، فإن الخدمة محجوبة في لبنان من المصدر الأساسي، أي من إدارة منصة "إكس" وليس نتيجة أي قرار رسمي لبناني أو إجراء إداري داخلي. وبذلك، تنفي الوزارة أي مسؤولية مباشرة عن غياب الخدمة.
من جانبه، شرح الخبير في التكنولوجيا والاتصالات المهندس أيمن حاطوم، في حديثه مع "المدن"، أن "غروك إيه آي" هو نموذج لغوي كبير أطلقته شركة "إكس إيه آي" العام 2023، ويتميز عن غيره من النماذج بكونه متصلاً بشكل مباشر بمنصة "إكس"، ما يمنحه قدرة على الوصول إلى البيانات الآنية، ومتابعة النقاتشات العامة، وتحليل الأحداث السياسية والإعلامية لحظة بلحظة، خاصة في ظل الأحداث الكبيرة التي تحيط بالعالم وبالمنطقة. واعتبر حاطوم أن هذه الخاصية، رغم كونها تطوراً تقنياً لافتاً، تضع النموذج في منطقة رمادية قانونياً وأخلاقياً، خصوصاً في الدول التي لا تمتلك أطر تنظيمية واضحة للتعامل مع البيانات الضخمة والمحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية.
وأوضح حاطوم أن الصعوبة التي يواجهها المستخدمون في لبنان، حتى مع الاشتراكات المدفوعة، ربما تعود إلى عدم إدراج لبنان ضمن الدول المشمولة بخطة الإطلاق الرسمية للنموذج، سواء لأسباب تقنية أو تجارية أو قانونية، مشيراً إلى وجود تساؤلات جدية تتعلق بـ "قانون حماية البيانات الشخصية اللبناني رقم 81/2018، خصوصاً مكان تخزين البيانات، وآليات معالجتها، وإمكانية وصول أطراف خارجية إليها". وأضاف أنه رغم ذلك كله، لا قرار رسمياً معلناً، حتى الآن، بحظر "غروك" في لبنان، ما يضع المستخدمين أمام واقع ملتبس، حيث يغيب التوضيح الرسمي من الشركة المطورة، في مقابل محدودية قدرة الدولة على التدخل.
ولا تقتصر القيود المفروضة على "غروك" على لبنان وحده. فبحسب حاطوم، تخضع تقنيات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي إلى تدقيق متزايد في عدد من الدول، مع تسجيل حالات حظر جزئي أو تقييد للاستخدام، لأسباب تتراوح بين حماية البيانات الشخصية، والاعتبارات الأخلاقية، والمخاوف الأمنية، وصولاً إلى دوافع سياسية تتعلق بإدارة المحتوى والتأثير في الرأي العام.
ورأى حاطوم أن ما يحصل يعكس أزمة عالمية أوسع، عنوانها الفجوة المتزايدة بين التطور السريع للتكنولوجيا من جهة، وبطء الأطر القانونية والتنظيمية من جهة أخرى، في ظل غياب قواعد دولية موحدة تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي وانتشاره. أما عن كيفية تمكن السلطات الرسمية من تفعيل استخدام "غروك" في لبنان، فيقول حاطوم: "لا يمكننا فعل أي شيء حيال هذا التمييز"، مضيفاً أن منصة "إكس" هي شركة خاصة، ولا يمكن للدولة اللبنانية إجبارها على الاستثمار في بلد لا ترغب في الاستثمار فيه، أو على تفعيل تطبيق أو خدمة رقمية لا تريد إطلاقها داخله.
وأضاف حاطوم أنه "في حال كانت الشركة أبرمت عقداً مع الدولة اللبنانية، أو مع وزارة الاتصالات، أو مع شركة محلية لتقديم هذه الخدمة، ثم أخلت بالتزاماتها، لكان بالإمكان ملاحقتها قانونياً"، مشدداً على أن "هذا الأمر غير متوافر أساساً، حيث لا يوجد أي عقد، ولا التزام، ولا خدمة قدمت، وبالتالي لا يمكن المطالبة بحق أو تحميل الشركة أي مسؤولية قانونية".
وبعيداً من الجدل التقني والقانوني، يطرح هذا الواقع إشكالية أعمق تتعلق بمدى جاهزية المجتمع اللبناني لاستخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة. فالمسألة لا تتعلق برفض التكنولوجيا، بل بالسؤال عن البيئة التي ستستخدم فيها.
وفي بلد يعاني ضعف الوعي الرقمي، وتدني الثقافة المتعلقة بحماية الخصوصية، وغياب استراتيجيات وطنية واضحة للتحول الرقمي، ربما يتحول استخدام أدوات مثل "غروك" إلى سلاح ذي حدين. فغياب الضوابط ربما يفتح الباب أمام تزوير المعلومات، انتهاك الخصوصيات، التلاعب بالرأي العام، وتكريس أنماط جديدة من التضليل الإعلامي، خصوصاً في سياق سياسي واجتماعي هش بطبيعته.
ومع غياب هيئات رقابية فعالة، وتأخر تحديث القوانين المرتبطة بالخصوصية والمسؤولية الرقمية، يبرز خطر تحول الذكاء الاصطناعي من أداة دعم معرفي وإعلامي إلى عامل تهديد للتماسك الاجتماعي والسيادة الرقمية. فالتحكم بالخوارزميات، وإدارة البيانات، وتوجيه المحتوى، لم تعد مسائل تقنية بحتة، بل باتت تمس جوهر السيادة الوطنية والحقوق الفردية.