المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: سوزان بعقليني
الثلاثاء 9 حزيران 2026 13:20:31
بينما تتصدر الخسائر البشرية والمادية مشهد الحرب الدائرة في جنوب لبنان، تعيش الحياة البرية مأساة أقل ظهورًا، لكنها لا تقل قسوة. فالحيوانات البرية، من الثدييات والزواحف والطيور إلى الحشرات، تجد نفسها مضطرة، مثل السكان، إلى الهجرة القسرية أو مواجهة الموت وسط القصف والدمار.
وفي 13 أيار الماضي، نشرت جمعية «غرين ساوثرنرز» البيئية صورة للوبر الصخري، وهو ثديي صغير يعيش في مستعمرات منتشرة في مناطق عدة من الجنوب اللبناني. ويقول رئيس الجمعية هشام يونس إن الجيش الإسرائيلي دمّر حيًا كاملًا في بلدة البياضة – الناقورة، حيث كانت توجد نحو عشرين مستعمرة معروفة لهذا الحيوان.
ويُعد الوبر الصخري مثالًا على الأنواع المرتبطة بشكل وثيق ببيئتها الطبيعية، إذ يعيش ضمن تجمعات منظمة داخل الشقوق والكهوف الصخرية، ما يجعل تدمير موائله تهديدًا مباشرًا لبقائه.
ولا تقتصر آثار الحرب على هذا النوع فحسب، بل تشمل مختلف الكائنات البرية التي تواجه القصف المستمر، وحرائق الغابات، وفقدان المواطن الطبيعية، فضلًا عن التأثيرات النفسية والسلوكية الناتجة عن الضجيج والانفجارات المتواصلة.
وتوضح الباحثة البيئية كارلا خاطر، مديرة الأبحاث في المجلس الوطني للبحوث العلمية، أن قدرة الحيوانات على التكيف تختلف من نوع إلى آخر، مشيرة إلى أن الأنواع ذات المواطن البيئية المحدودة تكون الأكثر عرضة للخطر.
الحشرات والزواحف والطيور... تأثر متفاوت
بحسب الخبراء، تتأثر الحشرات بشكل خاص بالمواد الكيميائية والملوثات التي قد تُستخدم أو تنتشر خلال النزاعات، رغم أنها تبقى من أكثر الكائنات قدرة على الصمود وإعادة التكيف.
أما البرمائيات، فتعتمد بشكل كبير على جودة المياه لبقائها، ما يجعل أي تلوث بيئي تهديدًا مباشرًا لها. في المقابل، تستطيع بعض الزواحف الاحتماء أو الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا.
وتبرز السلاحف البحرية كإحدى الأنواع المهددة في الجنوب اللبناني، إذ تستخدم شواطئ صور والمنصوري سنويًا لوضع بيضها. ويحذر مختصون من أن الأنشطة العسكرية والإنارة المستمرة وتغير طبيعة الشواطئ قد تدفع هذه السلاحف إلى هجر مواقع تعشيشها التقليدية والبحث عن بدائل أخرى في البحر المتوسط.
أما الطيور، وخصوصًا المهاجرة منها، فقد تضطر إلى تعديل مساراتها الجوية بسبب الطائرات المسيّرة والحركة العسكرية المكثفة، وإن كان الخبراء يرجحون أن تبقى هذه التغييرات مؤقتة في معظم الحالات.
وفي ما يتعلق بالثدييات، تختلف التأثيرات بحسب طبيعة كل نوع. فالحيوانات المرتبطة بالأنشطة البشرية، مثل الثعالب والقوارض، قد تفقد مصادر غذائها المعتادة لكنها غالبًا ما تجد بدائل أخرى، بينما قد تستفيد بعض الحيوانات المفترسة من زيادة أعداد الجيف الناتجة عن الحرب.
تهديد للنظم البيئية بأكملها
ولا تقتصر المخاطر على الأنواع الفردية، بل تمتد إلى التوازن البيئي العام. فاختفاء نوع واحد قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتعاقبة داخل النظام البيئي.
ويحذر هشام يونس من أن اختفاء الحيوانات العاشبة، مثل الوبر الصخري، سيؤثر مباشرة في الحيوانات المفترسة التي تعتمد عليها كمصدر للغذاء، ما قد يخلّ بتوازن السلسلة الغذائية بأكملها.
من جهته، يصف مدير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة إلياس إبراهيم ما يجري بأنه «كارثة بيئية حقيقية»، مؤكدًا أن حجم الأضرار الفعلية لن يتضح بالكامل إلا بعد توقف العمليات العسكرية وإجراء دراسات ميدانية شاملة.
ويجمع الخبراء على ضرورة إطلاق برامج بحثية متخصصة فور انتهاء الحرب لتقييم حجم الخسائر التي لحقت بالحياة البرية والنظم البيئية في جنوب لبنان، ووضع خطط لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وحماية التنوع البيولوجي الذي يواجه أحد أخطر التهديدات في تاريخه الحديث