المصدر: النهار
الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026 15:22:21
بعد صدور قرار المجلس الدستوري في قانون العفو العام، أثيرت تساؤلات في أوساط نيابية وقانونية عن مدى صلاحية المجلس في التعديل أو تفسير إرادة المشرّع، مما يقودنا إلى طرح تساؤل أساسي: ما موقف الفقه الدستوري؟
ماذا يقول القانون؟
في هذا السياق، يشير الخبير الدستوري الدكتور جهاد إسماعيل في حديث إلى "النهار"، إلى أن "نهج التحفظ التفسيري هو نهج اجتهادي بدأ به المجلس الدستوري اللبناني عام 2002 تماشيًا مع اجتهاد القضاء الدستوري الأوروبي، وتحديدًا الفرنسي والألماني، في معرض إعمال رقابته على القانون المطعون به، بحيث يُعمل به ما إن يقرّر المجلس ردّ الطعن بقانون معيّن، ولكن ضمن إطار يفسّر القانون على النحو الّذي يجعله أكثر اتفاقا مع الدستور، من منطلق أن الجهة الّتي تستطيع أن تفسّر الدستور في معرض الطعن يحقّ لها أن تفسّره، ذلك أن المجلس، وفق المادة 19 من الدستور، مؤتمن على مراقبة دستورية القوانين، وهذه المراقبة تجعله صالحا لتحديد ماهية القاعدة الدنيا أو مدلولها، كي يستطيع الحكم بمدى توافقها مع القاعدة العليا".
تقنية التحفظ التفسيري
ويقول إسماعيل: "على سبيل المثال لا الحصر، عندما وجد المجلس أن هناك نصا ملتبسا في جريمة الفساد، عمد إلى إعمال تقنية التحفظ التفسيري، أي بتفسيرها على نحو يتماشى كليا مع الدستور الّذي يشير في مقدمته بموجب الفقرة "ب" إلى التزامه مواثيق الأمم المتحدة، ومن بين هذه المواثيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الّتي انضم اليها لبنان بمقتضى القانون الرقم 33/2008 الّتي تدعو إلى تعزيز التدابير الآيلة إلى مكافحة الفساد لا تقويضها، في حين أن قانون العفو العام كان لا يشملها، إنما أتى باستثناء يحتمل تأويلات تُزيح بعض جرائم الفساد، من دون أن يعدّل النص، بل بتفسير يجعل النص موضوع التطبيق أكثر اتفاقًا مع الدستور، باعتبار ان المجلس لا يستطيع أن يعدّل نصًا أقرّه مجلس النواب، ولكن عندما ينبثق من النص تأويلات، عندئذٍ يلجأ إلى التفسير المعياري".
ويضيف: "بالعودة إلى أحكام المادة الخامسة من قانون إنشاء المجلس الدستوري، نجد أن هناك التزاما يقع على عاتق المجلس المؤتمن على مراقبة النص القانوني المطعون به، وهو التقيّد بأحكام الدستور، بحيث لا يُعقل أن مَن أُؤتمن على مراقبة مدى التوافق مع الدستور، وبالتالي التقيّد بأحكامه، لا يُفسّره بما يتوافق مع الدستور نفسه فور غموضه، وهذا التفسير - بطبيعة الحال - يجعل القانون أكثر اتفاقًا مع الدستور".
ويستدرك إسماعيل أن "هذه التقنية - أي التحفظات التفسيرية - لا يصحّ اللجوء إليها إلا إذا كان النص المطعون به غامضا أو يثير شبهة مخالفة للدستور، لئلا يتدخل المجلس الدستوري في الملائمة التقديرية التي يتمتع بها المجلس النيابي، فيمدّها المجلس الدستوري حينئذٍ بالفاعلية، مما يعني أنه لا يصحّ أيضا مناقشة أصل صلاحية التحفظ التفسيري، لكون الجهة التي تستطيع إبطال النص، وبالتالي إعدامه من حقل النظام القانوني، تستطيع- استطرادا - إبقاءه بشروط توضيحية أو تفسيرية، ما دام النص - كقاعدة دنيا - لا يؤمن شروط احترام القاعدة العليا، في حين أن قانون العفو العام لم يكن على وئام تام مع هذه الشروط".
ويختم بأن "للتحفظات التفسيرية أنواعا، فثمّة تحفظات بناءة تهدف إلى تصحيح المعنى الغامض من دون تعديله، وأخرى تحييدية تهدف إلى إفراغ النص التشريعي من بعض الأحكام المعيبة، وهناك أيضا التحفظات الآمرة الّتي تتضمّن توجيهات حول القالب أو المضمون الذي يجب أن يكون عليه هذا النص كي يمكن التصريح بدستوريته، في حين أن القرار الصادر عن المجلس الدستوري في شأن قانون العفو العام جمع كلّ هذه الأنواع ضمن قرار واحد، وكان من القرارات الجريئة واللافتة والمحورية".