المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جيمي فرنسيس
الأربعاء 15 نيسان 2026 08:34:17
في لبنان، لا يُقاس احترام الدستور بكثرة الحديث عنه بل بتوقيت هذا الحديث، فالدستور هنا لا يُستدعى دائماً بوصفه مرجعاً ثابتاً، بل يُستحضر غالباً كأداة ظرفية، يُرفع حين يخدم، ويُهمَل حين يُهدّد.
لذلك عندما ترتفع اليوم أصوات تتهم رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بمخالفة الدستور والقوانين، لا يكون السؤال عمّا يقولونه، بل عن تاريخهم مع هذا الدستور نفسه والقوانين نفسها، وكيف تعاملوا معها عندما كان ميزان المحاسبة موجهاً نحوهم أو نحو حلفائهم.
المفارقة هنا لا تكمن في مضمون الاتهام، بل في هوية مطلقه لأن هؤلاء أنفسهم كانوا لسنوات طويلة، رأس الحربة في تعطيل أي مسار للمحاسبة، مستخدمين النصوص الدستورية والقانونية ذاتها التي يستندون إليها اليوم، ولكن بهدف معاكس تماماً،
لم يكن الدستور والقوانين يومها أداة لتحقيق العدالة، بل وسيلة لإغلاق أبوابها بإحكام وكان المفتاح الأبرز في هذه العملية “المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”.
نظرياً، يبدو هذا المجلس ضمانة دستورية لعدم الإفلات من العقاب، لكن عملياً، تحوّل إلى آلية معقّدة تجعل المحاسبة شبه مستحيلة فكلما اقترب القضاء العدلي من ملف يطال وزيراً أو رئيساً ، كان يُرفع في وجهه حاجز “عدم الاختصاص”، لأن المرجع هو المجلس الأعلى.
وهنا تبدأ الحلقة المفرغة، مجلس النواب لا يتهم، لأن الاتهام يحتاج إلى أكثرية الثلثين، والمجلس الأعلى لا ينعقد، لأن لا ملفات تُحال إليه، والقضاء العدلي يُمنع من المتابعة لأنه “غير مختص”! والنتيجة كانت دائماً واحدة "لا محاسبة".
بهذه الآلية، مرت ملفات كبرى بلا أي مساءلة جدية، ففي قطاع الكهرباء، أُنفقت مليارات الدولارات فيما بقيت البلاد غارقة في العتمة، ومع ذلك لم يُفتح مسار قضائي فعلي يطال المسؤولين،
في مشاريع السدود، أُثيرت تساؤلات كبيرة حول الجدوى والإنفاق، لكنها انتهت إلى لا شيء،
في قطاع الاتصالات والصفقات العمومية، تكررت الاتهامات، لكن المسار نفسه كان يُقفل في كل مرة،
أما في السياسات المالية التي قادت إلى الانهيار، فقد بقيت المسؤوليات بلا محاسبة، لأن الطريق الدستوري إلى ذلك كان مسدوداً سياسياً.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت، الحدث الذي كان يُفترض أن يكسر كل هذه القواعد، كارثة بحجم وطن، ومسؤوليات لا يمكن تجاهلها، ومع ذلك، لم يتغير السلوك، وعندما اقترب التحقيق من مسؤولين سياسيين، عاد الخطاب نفسه "التمسك بالحصانات، الطعن في صلاحيات القضاء العدلي، والإصرار على أن المرجع هو المجلس الأعلى".
لم يكن ذلك تطبيقاً للدستور والقوانين بقدر ما كان استخداماً لها كدرع، وبفعل هذا الإصرار، تعرّض التحقيق لتعطيل متكرر، وكاد أن يُفرغ من مضمونه، لا بسبب غياب الوقائع، بل بسبب إقفال المسارات المؤدية إليها.
اليوم، في لحظة سياسية مختلفة، ينقلب الخطاب، والذين تمسكوا بالمجلس الأعلى كحاجز أمام المحاسبة، يطرحونه الآن كأداة لها، عندما يطالبون بمحاسبة الرؤساء والذين رفضوا رفع الحصانات، يتحدثون عن ضرورة تطبيق القانون، والذين اعتبروا القضاء العدلي غير مختص، يلوّحون بالمحاسبة وكأنها مسار سهل ومتاح، هنا تحديداً تظهر سخرية المشهد والقدر، ليس لأن الاتهام بحد ذاته غير قابل للنقاش، بل لأن الطريق الذي يطالبون بسلوكه هو نفسه الطريق الذي حرصوا على جعله مستحيلاً.
وإذا كان لا بد من التعامل مع هذا الطرح بجدية، فإن أبسط رد عليه هو الالتزام بالقواعد التي وُضعت سابقاً، فالمحاسبة وفق هذا المنطق، تبدأ من مجلس النواب، حيث يجب تأمين أكثرية الثلثين للاتهام، ثم الانتقال إلى المجلس الأعلى، الذي يفترض أن يُشكَّل ويباشر عمله، وهذا هو المسار الدستوري الذي استُخدم طويلاً لتبرير تعطيل القضاء العدلي، وهو نفسه المسار الذي يُطرح اليوم لمحاسبة رئيسي الجمهورية والحكومة. لكن المشكلة أن هذا المسار، كما أثبتت التجربة، لا يؤدي إلى نتيجة، لأنه مرتبط بتوازنات سياسية تجعل تحقيقه شبه مستحيل.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الأداة التي استُخدمت لتعطيل العدالة، أصبحت اليوم عائقاً أمام من يريد استخدامها في الاتجاه المعاكس، فالنظام الذي بُني على الحصانات والتوازنات، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى نظام محاسبة فعلي بمجرد تغيّر المواقع، وما كان مستحيلاً بالأمس، يبقى مستحيلاً اليوم، طالما أن القواعد نفسها لم تتغير.
في المحصلة، لا يبدو ما يجري اليوم نقاشاً دستورياً بقدر ما هو انعكاس لمنهجية سياسية ثابتة، استخدام النصوص عند الحاجة، وتعطيلها عند الضرورة. لكن هذه المنهجية تحمل في داخلها تناقضها الخاص، لأنها تنتج واقعاً لا يسمح لأحد بالمحاسبة، حتى لمن يطالب بها. وهكذا، يجد من ساهم في بناء منظومة الإفلات من العقاب نفسه أسيراً لها، غير قادر على تجاوزها عندما يريد محاسبة خصومه.
لذلك، قبل التلويح بالدستور والقوانين اليوم، ربما كان من الأجدى الإجابة عن سؤال واحد، كيف تحوّل المجلس الأعلى، الذي قُدّم يوماً كضمانة للمحاسبة، إلى أداة لتعطيلها؟ لأن الجواب على هذا السؤال وحده كفيل بتفسير كل ما يحدث الآن، وبإظهار أن ما يبدو كصراع على الدستور، ليس في حقيقته إلا صراعاً على استخدامه.
وفي بلد كلبنان، حيث تتكرر الوقائع أكثر مما تتغير، تبقى الحقيقة الأوضح "من يستخدم القانون لتعطيل العدالة، سيجد نفسه عاجزاً عن استخدامه لتحقيقها".