لا الدكتاتورية ولا "تهريب المخدرات".. ما الدافع الخفي خلف إسقاط مادورو؟

رغم تحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم خلال السنوات الأخيرة، فإن معركة واشنطن مع كاراكاس لم تكن يومًا سياسية فقط، بل معركة طاقة من الدرجة الأولى. فخلف الخطاب الأمريكي عن "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، و"خطر المخدرات"، تقف معادلة أكثر برودة وحسمًا؛ النفط الثقيل الذي تحتاجه المصافي الأمريكية للبقاء في الخدمة.

اليوم، تنتج الولايات المتحدة نحو 13.8 مليون برميل يوميًّا، لكنها تستهلك قرابة 20 مليون برميل، وتستورد ما يقارب 8.5 مليون برميل يوميًّا. المفارقة أن هذا الاستيراد لا يعود إلى نقص في الإنتاج، بل إلى عدم ملاءمة غالبية النفط الأمريكي - وهو نفط خفيف وصخري - للبنية التقنية للمصافي الأمريكية. 

مأزق النفط الخفيف الأمريكي

بحسب دراسات صادرة عن مراكز أبحاث طاقة أمريكية، فإن أكثر من 60% من الإنتاج النفطي الأمريكي يصنف ضمن فئة "النفط الخفيف"، وهو نفط غني بالمشتقات الخفيفة، مثل: البنزين ووقود الطائرات والديزل، لكنه فقير نسبيًّا بالمركبات الثقيلة التي تحتاجها الصناعات البتروكيميائية.

في المقابل، صُممت معظم المصافي الأمريكية الكبرى - خاصةً تلك الواقعة في ولايات تكساس ولويزيانا وكاليفورنيا - للعمل بكفاءة اقتصادية على النفط الثقيل عالي الكثافة. وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن نحو 70% من هذه المصافي ستتعرض لخسائر كبيرة، أو حتى التوقف الجزئي، إذا لم يُؤمّن لها تدفق مستقر من هذا النوع من النفط.

لماذا لا يكفي النفط الصخري؟

يؤكد مختصون في كيمياء النفط، في دراسات منشورة عن معاهد بحثية أمريكية، أن النفط الثقيل يحتوي على سلاسل كربونية أطول ومركبات أكثر تعقيدًا؛ ما يسمح للمصافي بتفكيكها إلى مواد أولية تُستخدم في الصناعات البلاستيكية والبتروكيميائية والأسمدة.

أما النفط الصخري، فيفرض تحديات تقنية أعلى على المصافي التقليدية، بسبب احتوائه على مركبات عضوية غنية بالنيتروجين والأوكسجين؛ ما يتطلب عمليات معالجة إضافية مكلفة. ولهذا السبب، لم تنجح "ثورة النفط الصخري" في تحرير الولايات المتحدة من الاعتماد على النفط الثقيل المستورد. 

فنزويلا.. المورد المثالي لواشنطن

ضمن هذه المعادلة، تبرز فنزويلا بوصفها الخيار الأمثل للولايات المتحدة. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدّر بنحو 303 مليارات برميل، ومعظم هذا الاحتياطي من فئة النفط الثقيل والفائق الثقل.

وتشير تقارير مراكز أبحاث أمريكية إلى أن النفط الفنزويلي يتمتع بثلاث ميزات حاسمة لواشنطن، أولاها، قربه الجغرافي من الساحل الجنوبي الأمريكي حيث تقع المصافي الكبرى. وثانيها، انخفاض كلفة استخراجه ونقله مقارنة بالنفط الكندي الثقيل. وثالثها، ملاءمته التقنية العالية للمصافي الأمريكية الحالية دون الحاجة لاستثمارات تحديث ضخمة.

الشركات الأمريكية.. عودة مؤجلة

قبل إعادة تقييم العقود النفطية الفنزويلية عام 2004، كانت شركات أمريكية كبرى، مثل: شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس، لاعبًا أساسيًّا في قطاع النفط الفنزويلي.

لكن خروج هذه الشركات النهائي عام 2007، بعد صدامها مع سياسات الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، شكّل - وفق باحثين أميركيين - ضربة إستراتيجية لواشنطن، أعادت فتح ملف "فنزويلا" بوصفه ملف أمن طاقة، لا مجرد خلاف سياسي.

من هذا المنطلق، ينظر صناع قرار أمريكيون إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بوصفه عقبة سياسية أمام استعادة السيطرة الغربية على أحد أهم مصادر النفط الثقيل في العالم.

خبراء في السياسة النفطية داخل الولايات المتحدة يرون أن إسقاط مادورو، أو فرض تغيير جذري في سلوك نظامه، سيفتح الباب أمام إعادة هيكلة قطاع النفط الفنزويلي بما ينسجم مع مصالح الشركات الأمريكية، ويؤمن لواشنطن خط إمداد طويل الأمد من النفط الثقيل بعيدًا عن ابتزاز الأسواق أو التقلبات الجيوسياسية.

الضغط على روسيا من بوابة فنزويلا

لا يتوقف البعد الإستراتيجي لفنزويلا عند السوق الأمريكية فقط. فروسيا تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي ثقيل في العالم (نحو 80 مليار برميل)، وتشير دراسات أمريكية إلى أن استعادة السيطرة على النفط الفنزويلي تمنح واشنطن أداة ضغط إضافية على موسكو في سوق النفط العالمي، سواء من حيث الأسعار أو من حيث موازين العرض.

بمعنى آخر، السيطرة على القرار النفطي الفنزويلي لا تؤمّن فقط تشغيل المصافي الأمريكية، بل تعيد رسم توازنات الطاقة العالمية على حساب روسيا وحلفائها. 

في المحصلة، يبدو أن النفط الثقيل هو السبب البنيوي غير المعلن خلف الإصرار الأمريكي على تغيير المعادلة السياسية في فنزويلا. فالديمقراطية والخطاب الحقوقي، ومخاطر تجارة المخدرات، مهما كان تأثيرها، فهي لا تفسر هذا الإصرار الممتد منذ أكثر من عقدين.

المعادلة أبسط وأقسى: لا اقتصادَ أمريكيًّا مستقرًّا دونَ مصافٍ عاملة، ولا مصافِيَ عاملة دونَ نفط ثقيل، ولا نفط أثقل وأقرب وأرخص من النفط الفنزويلي.