المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الأربعاء 8 تموز 2026 01:14:28
من مضيق هرمز، إلى البحر الأحمر، فجنوب لبنان، وقلب دمشق، إلى شرق البحر المتوسط، ومضيق البوسفور والدردنيل، تشهد المنطقة حالة غليان وتحولات. فالتفاهم الأميركي الإيراني لا يزال هشاً. فلا الملاحة عادت إلى طبيعتها في المضيق، ولا الهجمات المتبادلة توقفت. في جنوب لبنان، وقف النار هش أيضاً، واتفاق الإطار معلّق في ظل صعوبات تطبيقه، وهذا ما يفتح الباب أمام المزيد من العمليات العسكرية التي يريد الإسرائيليون استئنافها، وهم يمهدون لها من خلال رفع علمهم على تلة علي الطاهر وعدم اتخاذ أي إجراءات تشير إلى الانسحاب بل إن تموضعاتهم كلها تحمل مؤشرات الاستعداد للهجوم أو بقاء احتلالهم لفترة طويلة.
بديل من هرمز
الأفخاخ التي تنصبها إسرائيل للبنان، وعمليات التفخيخ والتفجير التي تنفذها في الجنوب، لها ما يقابلها في سوريا أيضاً التي شهدت تفجيرات جديدة استهدف قلب دمشق خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهذه التفجيرات كان قد سبقها تفجير استهدف محيط قصر العدل في العاصمة السورية بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بيروت. مسلسل التفجيرات هذا له أكثر من بعد إذ يستهدف استقرار سوريا وانفتاح العالم عليها، وعدم جعلها بيئة آمنة ومستقرة تتحقق فيها الطموحات التي يعبر عنها رئيسها أحمد الشرع وشرحها خلال لقائه ماكرون عن جعل الجغرافيا السورية هي المحطة البديلة عن مضيق هرمز وأي منطقة توتر أخرى، وأن تتحول سوريا إلى منطلق لممرات التجارة.
لبنان لم يتبلغ رسمياً
في موازاة هذه التطورات، سعت إسرائيل إلى فرض مفاجأتين على لبنان، الأولى رفع علمها على تلة علي الطاهر، وإظهار مؤشرات حول استعدادها لخوض عملية عسكرية واسعة للسيطرة على المنشأة العسكرية فيها. أما المفاجأة الثانية فكانت الإعلان عن نقل المفاوضات إلى روما، علماً أن لبنان لم يتبلغ رسمياً بذلك وعندما طرحت الفكرة جرى رفضها، خصوصاً أن بيروت تتمسك ببقاء المفاوضات في واشنطن وبرعاية الأميركيين على اعتبار أن أميركا يمكنها أن تمارس ضغوطاً على تل أبيب ومنح لبنان بعض المكاسب، أما نقل المفاوضات من هناك، فسيمنح إسرائيل فرصة للاستفراد بلبنان أكثر ورفع سقف الشروط والضغوط. فبعض هذه الضغوط وصلت إلى حد تهديد إسرائيل برفع دعوى قضائية ضد لبنان أمام المحاكم الدولية والمحاكم الأميركية، بأنه يأوي منظمة إرهابية ومصنفة على لوائح الإرهاب، وكان هدف إسرائيل من وراء هذا التهديد هو دفع الدولة اللبنانية لرفع الغطاء عن حزب الله.
عزل فرنسا
ستواصل إسرائيل ضغوطها على لبنان، سياسياً وعسكرياً. وهي ستستند إلى ما حققته في اتفاق الإطار، مقابل مواصلة عملياتها العسكرية، وعدم الانسحاب، وحتى عدم تطبيق المناطق التجريبية كي لا تسجل أي انسحاب من أي منطقة قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية. هنا يأتي الإصرار الإسرائيلي على نقل التفاوض إلى إيطاليا، مع الإشارة إلى أن روما كانت قد طرحت مبادرة سابقاً أشارت فيها إلى استعدادها لاستضافة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ثم إنَّ قبرص كانت قد عرضت استضافة المفاوضات أيضاً. لقبرص وإيطاليا رمزية أساسية، فكلاهما دولتان تتحالفان مع إسرائيل في تحالف دول "شرق المتوسط" وهو تحالف تريد له إسرائيل أن يسيطر على حقول وخطوط إمداد الغاز من البحر المتوسط باتجاه أوروبا. وإيطاليا، مع رئيسة وزرائها جورجيا ميلوني، على علاقة سيئة جداً بفرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون، ويأتي ذلك في ظل إبعاد فرنسا عن الملف اللبناني بالكامل، وفي ظل تطويق إسرائيلي وأميركي مشترك لأي جهود فرنسية، من إنهاء مهمة اليونيفيل في لبنان، إلى إنهاء دور باريس في لجنة الميكانيزم وعدم إعطائها أي دور في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. كما أن واشنطن عملت على تكريس عمل لبناني إسرائيلي ثنائي، بإشراف أميركي فقط.
موقف واشنطن
لا يزال لبنان يرفض انتقال المفاوضات إلى روما، إلا أن موافقة أميركا على ذلك، ستكون له مؤشرات كثيرة، أولها إعطاء فرصة لإسرائيل بالضغط أكثر على لبنان، كما أن واشنطن قد تستخدم هذه النقطة لدفع لبنان تقديم المزيد من التنازلات، خصوصاً ما يتعلق بعمل الجيش اللبناني وكيفية تحركه ضد حزب الله، والإصرار الإسرائيلي والأميركي المشترك على تحرك الجيش في شمال الليطاني، وأن تبدأ عمليات السيطرة على المناطق التجريبية من بلدات غير محتلة.
الـ "إف 35" كمعيار
وللمصادفة، إن سعي إسرائيل لنقل المفاوضات إلى إيطاليا، يتزامن مع مشاركة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بقمة الناتو في تركيا، التي يواصل نتنياهو الهجوم عليها وعلى رئيسها، كما أن ترامب الذي يدعم نتنياهو في لبنان، يتعارض معه بشأن الملف الإيراني وبشأن تركيا أيضاً. واستباقاً للقمة واللقاءات التي ستعقد فيها، زار نتنياهو قاعدة حيفا العسكرية البحرية، وصرّح أن إسرائيل تريد ضمان طرق الملاحة وحرية التجارة البحرية، ذلكَ في رد مباشر على أزمة مضيق هرمز، واستباق لأي دور قد تلعبه تركيا لاحقاً في البحر المتوسط انطلاقاً من علاقتها بسوريا. وما يريده نتنياهو هو إعادة بناء علاقات وتحالفات مع دول مطلة على المتوسط، ولا سيما مع قبرص، اليونان، وإيطاليا، وهو ما يريد استجلاب لبنان إليه، لمواجهة أي مشروع مضاد قد تعمل عليه تركيا. لكن مما لا شك فيه أن نتنياهو يعاني من أزمة حقيقية من علاقاته مع أوروبا، وحتى مع جانب واسع في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن سياق التحالفات على مستوى المنطقة يتغير، وهو ما يمكن رصده في تطور مسار العلاقة الأميركية التركية، خصوصاً في حال وقع ترامب على صفقة بيع تركيا طائرات أف 35، تلكَ التي اعتبر نتنياهو أنها ستؤدي إلى نسف موازين القوى في الشرق الأوسط، إضافة إلى مصالح ومساعٍ تقود إلى تطوير العلاقات التركية الأوروبية، والتركية الخليجية، وهذا طبعاً سيكون له انعكاسه على وضعَي لبنان وسوريا.