ما أوجه الشبه والافتراق بين الاجتياح الحالي للبنان واجتياح 1982؟

مع إنذار إسرائيل لسكان أكثر من خمسين بلدة جنوبية وأجزاء من الضاحية الجنوبية والبقاع بإخلائها شرطا لضمان سلامتهم، يرتسم السؤال المحوري: هل بات أهالي جنوب الليطاني وشماله أمام تكرار تجربة تعيدهم أربعين عاما إلى الوراء، أي إلى مرحلة التهجير الواسع والطويل، وهي المرحلة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي الواسع في حزيران 1982؟

ويمتد السؤال إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث خبراء عن إطلالة متجددة ستفرض نفسها لاتفاق 17 أيار جديد.

الثابت أن ثمة أوجه شبه وأوجه اختلاف بين ظروف "اجتياح اليوم" الذي ما زال محدودا في بداياته الغامضة، والوقائع المختزنة عن الاجتياح الأوسع عام 1982.

في تجربة الاجتياح الأول الذي أفضى إلى إبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها عن بيروت وتشتيتها في 6 دول عربية مختلفة، لم يكن الجنوبيون مضطرين إلى مثل النزوح الواسع الذي يسجل في الأيام القليلة الماضية.

كذلك لم يكن النزوح يومها يشمل كل سكان الضاحية الجنوبية وغالبية البقاع الشمالي على غرار ما هو حاصل خلال الأيام الماضية، إذ إن الإسرائيليين نفذوا في صيف 1982 اجتياحا سريعا وواسعا لم يترك فرصة لأغلب الجنوبيين للنزوح، لأن الإسرائيليين نجحوا في وقت قياسي في احتلال المدن والقرى ووصلوا إلى مشارف بيروت في غضون أيام قبل أن يحتلوها لاحقا.

 

 

 

بمعنى آخر، لم يكن أمام سكان الجنوب فرصة زمنية للخروج والنزوح، إذ سرعان ما اكتشفوا أن الجنود الإسرائيليين صاروا تحت نوافذ منازلهم، وقد جردوا حملة اعتقالات واسعة للمشتبه فيهم بعدما أجبروهم على المرور أمام المخبرين الملثمين، وتكون إشارة واحدة منهم كافية لإطلاقهم فورا أو نقلهم إلى معتقل أنصار ومن ثم إلى معتقل عتليت في الداخل الإسرائيلي.

لذا ما لبث الجنوبيون أن "تساكنوا" على مضض مع واقع الاحتلال قبل أن يستفيقوا من الصدمة، وأجبر الجيش الاسرائيلي على الخروج من الجزء الأكبر من الجنوب والاحتفاظ فقط بالمنطقة التي سمّيت  لاحقا "الشريط الحدودي المحتل"، والتي انتهت عمليا في أيار عام 2000.

 

 

 

أما أوجه الاختلاف الأبرز بين تجربة 1982 والتجربة الحالية التي بدات في أيار 2023، وهي التجربة المتجددة أخيرا، فهي أن ابن الجنوب يتهجر تحت وطأة ضربات الموت وجولات العنف، وأمله بالعودة إلى منزله يبدو ضعيفا، إن لم يكن معدوما، لأن الجيش الإسرائيلي يعمد إلى تدمير مقومات الحياة في البلدات الجنوبية، ومنع عودة الأهالي وخصوصا سكان بلدات الحافة الأمامية إلى بلداتهم وأملاكهم.

واقع الحال المشهود هذا، يعزز عند الذين قدر لهم أن يعاينوا الاجتياحات المتكررة وتجارب النزوح، استنتاجا فحواه أن تجربة اليوم المتوالية فصولا مختلفة عن التجارب السابقة، خصوصا أن الإسرائيلي غير قادر على التعايش والتجاور مع بيئة الحزب التي عبئت على مدى عقود على معاداة الإسرائيلي ومواجهته بكل الأساليب. لذا فإن الاعتقاد عند الخبراء في الصراع الحدودي بين لبنان وإسرائيل، هو أن إسرائيل مستعدة لرفع منسوب ضغوطها العسكرية على الحزب ولبنان إلى الحد الأقصى، وصولا إلى إجبار لبنان على العودة إلى ما يتجاوز مضامين اتفاق 17 أيار.

وعليه، فإن ثمة أوساطا "ممانعة" تتحدث عن أن إسرائيل لم تعد ترتضي بعد اليوم باتفاق يكون على شاكلة 17 أيار أو اتفاق الهدنة أو حتى اتفاق 1701 المبرم عام 2006، بل إنها تريد ما يتعدى كل هذه الاتفاقات تمهيدا لاتفاق يكون أساسا لاتفاق سلام على غرار اتفاقات كمب ديفيد ووادي عربة وأوسلو التي أنهت حالات العداء والاحتراب التاريخية بينها وبين إسرائيل.

والجليّ أن إسرائيل تعي أنها لكي تبلغ هذه المرحلة ما زالت تحتاج إلى تحقيق إنجازين:

تدمير أكبر للبيئة الشيعية المتعاطفة مع الحزب، واجتياح بري يتجاوز في مرحلته الأولى حدود بلدات الحافة الأمامية.

وفي الإجمال، ثمة تجربة جديدة لم تتضح بعد حدودها ومدياتها.