ما هي فرص نجاح مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني؟

في الخامس من مارس (آذار) المقبل تستضيف العاصمة الفرنسية باريس مؤتمراً دولياً لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، يفتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ويشارك في رئاسته الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي من المقرر أن يلبي دعوة ماكرون إلى العشاء عشية المؤتمر، كذلك سيجري معه محادثات في الإليزيه بعد انتهاء أعمال المؤتمر وقبل عودته إلى بيروت.

تراهن فرنسا على حضور 50 دولة ونحو 10 منظمات دولية وإقليمية، مما سيجعله، إذا صحت التوقعات، مؤتمراً رئيساً يعكس الرهان الدولي الكبير على الدور المنوط بالجيش اللبناني. وكشف مصدر دبلوماسي في فرنسا لـ"اندبندنت عربية" عن أن الردود على الدعوات بدأت تتوالى، وأن لائحة الذين أكدوا مشاركتهم حتى الجمعة الماضي تشمل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الدولة لشؤون الخارجية القطرية محمد الخليفي، وبات مؤكداً أن الولايات المتحدة الأميركية ستمثل بسفيرها لدى لبنان ميشال عيسى، ولن تكون مشاركة كندا واليابان على مستوى وزاري أيضاً في حين ستشارك بريطانيا على مستوى وزير دولة وسيحضر عن إيطاليا وزير الدفاع غويدو كروزيتو.

ويقاس نجاح مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي ليس بالتصريحات وحدها، بل بحجم الالتزامات المالية الفعلية التي ستعلن، وبطبيعة الآليات التي ستوضع لمتابعة التنفيذ. ويرى كثر أن الرغبة بالنجاح حقيقية، لكن التعقيدات الميدانية المتعلقة بسلاح "حزب الله" والوجود الإسرائيلي المستمر تجعل من الحذر سيد الموقف، بخاصة أن اللبنانيين اعتادوا على أن تنتهي المؤتمرات الدولية بوعود أكثر مما تبدأ بحلول. 4وفيما يستند المتفائلون هذه المرة إلى التغيير الذي حصل بعد حرب 2024 في البيئة الإقليمية، إلا أن التعويل الحقيقي سيكون على مدى التزام السلطة السياسية أولاً واستعداد الجيش اللبناني ثانياً على تنفيذ قرار حصر السلاح شمال الليطاني بجدية، وقد تردد أن بعض الدول لم تتلق بإيجابية قرار الجيش بتحديد مهلة تراوح ما بين الأربعة والثمانية أشهر لإنهاء المرحلة الأولى حتى نهر الأولي، بما يؤشر إلى أن إنهاء ملف السلاح في كل لبنان قد يحتاج إلى أعوام.

اجتماع القاهرة دليل إيجابي

يؤكد مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى أن المؤشرات الراهنة تسير في مجملها نحو الاتجاه الصحيح، وسط غياب أي عوامل سلبية من شأنها عرقلة النجاح في المرحلة الحالية، لكنه لا يستبعد تأثير المستجدات الإقليمية على مسار الأحداث، لا سيما إذا اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، مما قد يعيد رسم الأولويات من جديد.

وفي السياق ذاته، ينفي المصدر أن تكون الدول المشاركة في المؤتمر قد اشترطت مسبقاً أي شروط للمساهمة في دعم الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية، معتبراً أن تحديد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل مهلة زمنية تراوح ما بين أربعة وثمانية أشهر للمرحلة الثانية من خطة ضبط السلاح يشكل خطوة إيجابية وبالغة الأهمية، إذ إن مجرد وضع جدول زمني واضح يعد إنجازاً بحد ذاته، بالنظر إلى أن البديل كان يكمن في الإبقاء على الغموض وعدم تحديد أي أطر زمنية.

وأبدى المصدر اهتماماً بالغاً بالاجتماع التحضيري المرتقب في العاصمة المصرية القاهرة الثلاثاء المقبل، مشيداً بالجهود الدبلوماسية المصرية، معتبراً أن انعقاد هذا الاجتماع يعكس تسارع وتيرة التحضيرات التي يتوقع أن تشهد مزيداً من الزخم في الأيام المقبلة. وأوضح أن الاجتماع التحضيري سيتناول جميع المسائل التقنية واللوجيستية المتعلقة بالدول المانحة، فضلاً عن بعض الجوانب التنظيمية، مشدداً على أن انعقاده في حد ذاته دليل واضح على أن المؤتمر يسلك المسار الصحيح، وأشار إلى أن الهدف من هذا الاجتماع التحضيري هو تجاوز إخفاقات المؤتمرات السابقة التي لم تفض قراراتها إلى أي تطبيق فعلي على أرض الواقع، كاشفاً عن أن الدعم في مرحلته الأولى سيركز على المدى القصير، على أن يتواصل ويتعمق في المراحل اللاحقة تبعاً لمستوى التنفيذ.

وفي ما يخص الإطار التنظيمي للمؤتمر، أشار المصدر إلى أن رئاسته ستكون مشتركة بين ماكرون وعون، مبيناً أن الأخير سيجري زيارة عمل إلى فرنسا تكون في العادة أوجز من زيارة دولة، وكشف المصدر عن أن المؤتمر سيشهد تفاوتاً في مستويات التمثيل بحسب ما تقرره كل دولة، ملمحاً إلى أن مستوى التمثيل لدى الدول العربية تحديداً سيكون المقياس الأبرز لقياس حجم التزامها الفعلي تقديم الدعم والمساعدات.​​

ما المتوقع من المؤتمر

ثمة رسالة سياسية بالغة الأهمية يمكن أن يوجهها مؤتمر باريس إلى "حزب الله" وإسرائيل وإيران في آن، مفادها بأن المجتمع الدولي يقف صفاً واحداً خلف الدولة اللبنانية وجيشها في مسار احتكار السلاح، وأنه لن يسمح بأي تراجع عن هذا المسار. وتهدف باريس من خلال هذا المؤتمر إلى تعزيز الدعم السياسي والمالي والتقني الدولي للمؤسسات الأمنية اللبنانية، وحشد مساعدات منسقة تنسجم مع الأولويات التي حددها لبنان نفسه.

وفي مقدم ما يسعى إليه لبنان الحصول على تمويل لتأمين العتاد والأسلحة الضرورية للجيش، بهدف تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة شمال نهر الليطاني، غير أن هذا المسار يراد له من قبل قيادة الجيش أن يسير بتأنٍّ، وفق نهج استيعابي لا مواجهاتي مع الحزب، وسيوفر المؤتمر كذلك فرصة لبناء خريطة طريق لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة القوات الأممية "اليونيفيل" في جنوب لبنان نهاية عام 2026، والبحث عن صيغة بديلة وسط أفكار عدة لم تبلغ بعد مستوى التبني الرسمي.

الموازنة الأميركية خالية لجهة الجيش

يستحضر الجنرال خليل الحلو ذكرى مؤتمر روما الذي انعقد قبل نحو 10 أعوام لدعم الجيش اللبناني، وأسفر عن مساعدات بلغت 400 مليون دولار، ليطرح سؤالاً محورياً "من هي الجهات المستعدة للمساهمة اليوم؟"، ويوضح الحلو أن آخر مساعدة أميركية صرفت خلال العام الحالي كانت مدرجة في موازنة 2025، إذ بلغت 193 مليون دولار للجيش و40 مليوناً لقوى الأمن الداخلي، وقد أوقفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مستهل ولايته، قبل أن يتراجع عن قراره ويسمح بالمضي بها بناءً على توصية المسؤولين العسكريين الأميركيين الذين أبدوا ارتياحهم لأداء الجيش اللبناني، أما موازنة عام 2026 فلا تتضمن أي مساعدات للجيش، مما يعني أن لبنان سيكون أمام انقطاع غير مسبوق في التمويل الأميركي الذي اعتاد عليه لأعوام.

ويشير الحلو إلى أن قائد الجيش اللبناني أثار ملف المساعدات خلال زيارته لواشنطن قبل أسبوعين، مؤكداً للجانب الأميركي أن استكمال مهمة حصر السلاح يستلزم تعزيز العدد البشري والعتاد والإمكانات اللوجيستية، وأن الحد الأدنى لتأمين ذلك لا يقل عن 100 مليون دولار سنوياً.

أما عن حظوظ مؤتمر باريس في النجاح، فيرى الحلو أن المقارنة بين الانتظام العربي في سوريا ونظيره في لبنان تقول كثيراً، فالسعودية وحدها قررت ضخ 17 مليار دولار في الاقتصاد السوري، فيما تعهدت قطر باستثمارات بالمليارات، في حين لا تزال الرغبة في الاستثمار بلبنان شبه معدومة ما لم يحسم ملف السلاح أولاً.

ويتوقع الحلو أن يفضي المؤتمر إلى مساعدات للجيش، وإن كانت دون المستوى المطلوب، مع احتمال كبير أن تكون مشروطة بالتقدم في مسار حصر السلاح، بيد أنه يرى أن ثمة فرصاً حقيقية للنجاح، لأن المسألة لا تقتصر على سلاح "حزب الله"، بل تتصل بمعادلة الاستقرار الإقليمي برمتها، فلبنان المستقر ضرورة للمنطقة كلها، وأي فوضى على حدوده ستنعكس حتماً على سوريا، وهو ما لن يقبل به أصحاب الاستثمارات الكبرى الساعون إلى بيئة آمنة ومستقرة.​​

إشارات لافتة سبقت المؤتمر

وتترقب الأوساط المعنية انعقاد المؤتمر التحضيري في القاهرة بتاريخ الـ24 من الشهر الجاري، باعتباره مؤشراً حقيقياً إلى مدى إمكان نجاح مؤتمر باريس، وقد رأى كثر في تنقل مكان انعقاده بين الرياض وقطر وصولاً إلى القاهرة، مؤشراً لا يوحي بالتفاؤل.

وفي سياق الاستعداد لهذا اللقاء، سعى لبنان إلى إبراز جدية أكبر في مساره القراري والإجرائي قبيل الخامس من مارس، إذ حدد في آخر جلسات مجلس الوزراء مهلة للجيش اللبناني لتنفيذ خطته ضمن المرحلة الثانية من مسار حصرية السلاح، التي تشمل المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي. في المقابل لم يتوقف أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم عن التأكيد برفض تسليم السلاح، فيما أبلغت قيادة الحزب المسؤولين اللبنانيين على الصعيدين السياسي والعسكري بوقف أي تعاون في ما يخص المرحلة الثانية، معتبرة أن الخطة أغلق ملفها بانتهاء مرحلتها الأولى، وأن الحزب لن يقبل بتسليم أي سلاح في المرحلة المقبلة.

وقبل أيام من اجتماع القاهرة، عقد سفراء المجموعة الخماسية اجتماعاً في السفارة المصرية، تعامل خلاله المجتمعون بتحفظ واضح مع ما أعلنته الحكومة اللبنانية، وفق ما أفادت به مصادر دبلوماسية، مشيرة إلى أن الموقفين الأميركي والسعودي جاءا الأكثر تشدداً وسلبية. وكشفت المصادر ذاتها عن أن الانطباع السائد لدى المجتمعين هو أن السلطة اللبنانية، من خلال نهجها الراهن، توفر غطاءً زمنياً ثميناً للحزب لمواصلة إعادة بناء قدراته العسكرية، وأن إسرائيل لن تقبل بالانسحاب من مواقعها في ظل هذه المعطيات.

وتصر واشنطن على تنفيذ المرحلة الثانية، إذ تعدها الأكثر أهمية، لا سيما أن المنطقة المعنية تحتضن قدرات هجومية ضخمة قادرة على قلب الأوضاع جنوب الليطاني في وقت قصير، فضلاً عن كونها تمثل رافداً دائماً لدعم المنطقة الجنوبية وتعزيز قدراتها.​​​​​​​​​​​​​​​​

عوامل تدعم النجاح

ولكن على رغم حدة التشدد الدولي والعربي في التعامل مع الملف اللبناني، فإن فرص خروج المؤتمر بنتائج إيجابية وملموسة لا تزال قائمة وحقيقية، وذلك استناداً إلى جملة من العوامل الموضوعية التي تصب في خانة التفاؤل الحذر.

يأتي في مقدمة هذه العوامل الإجماع الدولي شبه المطلق على اعتبار الجيش اللبناني الضامن الوحيد للاستقرار، والمؤسسة الأكثر قدرة على تجنيب لبنان شبح الانزلاق نحو الحرب الأهلية أو الغرق في دوامة الفوضى الشاملة، فالجيش، بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعة التي احتفظت بتماسكها على رغم عقود من الأزمات المتلاحقة، يحظى بقبول واسع لدى مختلف الأطراف الداخلية والخارجية، مما يجعله الرهان الأكثر منطقية لأي مشروع إعادة استقرار حقيقي.

وفي هذا السياق، يكتسب إصرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على عقد المؤتمر في موعده المحدد على رغم التوترات الإقليمية المحيطة، أهمية استثنائية، فهذا الإصرار لا يعكس مجرد موقف بروتوكولي، بل يجسد إرادة سياسية فرنسية وأوروبية راسخة في عدم السماح للاضطرابات الإقليمية بتعطيل مسارات الدعم للبنان، كما يوفر المؤتمر منصة دبلوماسية بالغة الأثر، تجمع أكثر من 50 دولة ومنظمة دولية تحت سقف واحد، مما يفضي إلى ثقل تفاوضي وسياسي لا يمكن تجاهله.

ويزداد هذا الزخم الدبلوماسي أهمية في ظل الحاجة الماسة إلى وقف إطلاق نار مستدام وترتيبات أمنية دائمة على طول الحدود الجنوبية، فالمجتمع الدولي بات مدركاً إدراكاً تاماً أن استقرار هذه الحدود في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل، يرتبط ارتباطاً عضوياً بمدى قدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ الأمني، والحلول الفعلي محل القوى المسلحة الأخرى، وتطبيق القرار الأممي 1701 تطبيقاً صارماً وفاعلاً على أرض الواقع، ولن يتسنى لهذه المؤسسة بلوغ هذا المستوى من الأداء من دون دعم مالي وتجهيزي جاد وغير مشروط.

أما على الصعيد الأوروبي فثمة حسابات استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الإنسانية المحضة، إذ تنظر الدول الأوروبية إلى دعم الجيش اللبناني باعتباره استثماراً مباشراً في أمنها القومي الخاص، فالجيش يمثل الحائل الأول والأخير دون تحول لبنان إلى ممر مفتوح لقوارب الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، وهي قضية تتصدر سلم الأولويات السياسية الداخلية في كثير من العواصم الأوروبية، ومن ثم فإن دعم هذه المؤسسة العسكرية لم يعد خياراً خيرياً بل ضرورة تمليها المصالح الاستراتيجية الأوروبية بالدرجة الأولى.​​​​​​​​​​​​​​​​