مطار القليعات عمره 85 عاماً... رفضه "حزب الله" في 2011 وعاد اليوم إلى قلب المعركة السياسية

مع البدء بتشغيل مطار الرئيس رينه معوض في القليعات (عكار)، ارتفعت أصوات داخل محور الممانعة تتعامل مع المشروع باعتباره جزءاً من خطة أميركية جديدة للبنان. إلا أن الوقائع التاريخية تروي قصة مختلفة تماماً، فالمطار لا يعود إلى السنوات الأخيرة ولا إلى أي مشروع أميركي مستجد، بل هو أحد أقدم المطارات اللبنانية، فيما تكشف محطات سياسية متعاقبة أن فكرة تشغيله اصطدمت على مدى سنوات طويلة باعتراضات سياسية كان "حزب الله" أحد أبرز أطرافها

ففي وقت يثير فيه الممانعون علامات استفهام حول خلفيات المشروع، تعود إلى الواجهة شهادات ومواقف سابقة تتحدث عن رفض الحزب تشغيل المطار منذ سنوات. فقد كشف  النائب السابق هادي حبيش أن رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد أبلغ نواباً وفعاليات شمالية خلال لقاء جمعهم به رفض الحزب للمشروع آنذاك، مبدياً جملة هواجس تتعلق بإدارة المطار والجهة التي ستتولى تشغيله، فضلاً عن مخاوف من إمكانية استخدامه لنقل السلاح أو دعمه مجموعات أصولية ومسلحة داخل سوريا أو لبنان.

وتتطابق هذه الرواية مع معطيات سياسية أخرى تتحدث عن أن رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري طرح عام 2011 فكرة تشغيل مطار القليعات على "حزب الله"، إلا أن الجواب جاء سلبياً تحت عنوان أن "الوقت غير مناسب" لفتح هذا الملف.

مطار عمره أكثر من ثمانية عقود
بعيداً من السجال السياسي الراهن، فإن مطار القليعات ليس مشروعاً مستحدثاً. فقد أنشئ عام 1941 على يد قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية كمطار عسكري في شمال لبنان، قبل أن يستخدم لاحقاً لأغراض مختلفة.

وفي ستينيات القرن الماضي استعملته شركة نفط العراق (IPC) في بعض النشاطات المدنية، ثم انتقلت إدارته إلى الجيش اللبناني عام 1966 حيث تحول إلى قاعدة جوية عسكرية استُخدمت لتشغيل وتدريب طائرات "الميراج" الفرنسية.

وخلال سنوات الحرب اللبنانية لعب المطار دوراً محدوداً في النقل الجوي الداخلي، إذ استخدمته شركة طيران الشرق الأوسط بين عامي 1988 و1990 لتسيير رحلات داخلية بسبب صعوبة الانتقال براً بين المناطق اللبنانية.

لذلك فإن الحديث عن تشغيل المطار لا يرتبط بحدث طارئ أو ظرف سياسي مستجد، بل بمرفق قائم منذ أكثر من ثمانين عاماً لم ينجح لبنان حتى اليوم في الاستفادة الكاملة منه.

مشروع قديم... والتعطيل مستمر

منذ انتهاء الحرب الأهلية، طُرحت عشرات المبادرات لتحويل القليعات إلى مطار مدني ثان للبنان. وتكرر إدراج المشروع في برامج حكومية متعاقبة، كما نوقشت مشاريع قوانين وخطط تأهيل متعددة منذ التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، ولا سيما بعد حرب تموز 2006، ثم خلال الانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد. لكن المشروع بقي حبراً على ورق.

وتشير مصادر سياسية إلى أن الأسباب لم تكن مالية أو تقنية فقط، بل ارتبطت أيضاً بحسابات النفوذ والسيطرة. فخلال سنوات طويلة بقي مطار رفيق الحريري الدولي المنفذ الجوي الوحيد للبنان، فيما كان "حزب الله" متحكّماً في المطار ومحيطه الأمني والسياسي.

وتضيف هذه المصادر أن أهمية مطار بيروت بالنسبة للحزب لم تكن تقتصر على كونه بوابة البلاد الجوية الوحيدة، بل أيضاً بسبب موقعه الجغرافي المحاذي للضاحية الجنوبية، وما يوفره ذلك من تأثير مباشر على حركة البلاد الاقتصادية والسياسية. كما أن طريق المطار تحوّل في أكثر من محطة إلى ورقة ضغط داخلية استخدمت خلال أزمات ومواجهات سياسية متعاقبة، سواء عبر قطع الطريق أو تعطيل الوصول إلى المطار أو التأثير على حركة الملاحة الجوية.

العامل السوري... عقدة سابقة ومتغير جديد

إلى جانب الاعتبارات اللبنانية الداخلية، برز عامل آخر لطالما أحاط بملف القليعات، يتمثل في قرب المطار من الحدود السورية.

فالمطار يحتاج عملياً إلى ترتيبات تقنية وجوية مرتبطة بالمجال الجوي والتنسيق الملاحي، وهو أمر كان يستوجب تعاوناً مباشراً مع دمشق خلال مرحلة النظام السوري السابق. ومع وجود تحالف سياسي وعسكري وثيق بين النظام السوري و"حزب الله"، لم يكن المناخ السياسي مهيأً لدفع المشروع نحو التنفيذ، خصوصاً في ظل الهواجس الأمنية التي كانت تحكم العلاقة مع الشمال اللبناني خلال سنوات الحرب السورية.

ويرى متابعون أن أحد أبرز المتغيرات التي أعادت الحياة إلى مشروع القليعات يتمثل في سقوط أحد أبرز أسباب الاعتراض غير المعلن عليه سابقاً، أي العامل السوري. فالمطار الواقع على مقربة من الحدود كان يحتاج إلى مستوى من التنسيق مع دمشق، في وقت كان النظام السوري حليفاً استراتيجياً لـ"حزب الله" ويتمتع بنفوذ كبير على القرار اللبناني في هذا الملف. أما اليوم، ومع تبدل السلطة في سوريا وغياب العلاقة السياسية التي كانت تجمعها بالحزب، تبدو الدولة اللبنانية أقل تقييداً في مقاربة المشروع وأكثر قدرة على المضي به بعيداً من الحسابات التي حكمته لسنوات طويلة.

لماذا عاد اليوم؟

اليوم، وبعد الحرب الأخيرة والتهديدات المتكررة التي طاولت مطار بيروت، عاد الحديث بقوة عن الحاجة إلى منفذ جوي بديل يضمن استمرارية حركة البلاد في حال تعرض المطار الرئيسي لأي خلل أو استهداف.

كما أن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين أعادت طرح أسئلة قديمة حول جدوى استمرار لبنان بالاعتماد على مطار واحد فقط، وحول الحاجة إلى توزيع المرافق الحيوية على أكثر من منطقة.

لذلك يرى مؤيدو المشروع أن إعادة تشغيل القليعات لم تعد مجرد قضية إنمائية تخص عكار والشمال، بل تحولت إلى حاجة وطنية تتصل بالأمن الاقتصادي والاستراتيجي للبنان. أما المعارضون، فيواصلون طرح هواجسهم القديمة بصيغ مختلفة.

وبين هذا وذاك، تبقى حقيقة أساسية يصعب تجاهلها: مطار القليعات ليس مشروعاً أميركياً جديداً، بل مشروع لبناني مؤجل منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما يكشف الجدل الدائر حوله حجم الصراع السياسي والأمني الذي أحاط بهذا الملف منذ سنوات طويلة، وأبقاه خارج الخدمة رغم الحاجة الملحة إليه.