المصدر: نداء الوطن
الخميس 17 أيلول 2026 07:02:43
يضع الإعلان السعودي عن اعتراض مسيّرة حوثية باتجاه مكة المواجهة عند عتبة شديدة الحساسية، إذ إنّ المدينة تحمل مكانة تتجاوز حدود المملكة، وأي تهديد لأمنها يمسّ وجدان العالم الإسلامي ويضاعف المسؤولية السياسية الملقاة على الرياض. وفيما تتوالى الإدانات والاستنكارات العربية والإسلامية على محاولة استهداف مكة، يُطرح سؤال مركزي: هل يمكن أن تصبح حماية المقدّسات دافعًا لبناء تحرّك عسكري عربي - إسلامي تتقاطع فيه الاعتبارات الدينية مع ضرورات الأمن الإقليمي وحرّية الملاحة؟
تتّصل خطورة الحادث بمحاولة إدخال المجال الجوّي لمكة ضمن نطاق التهديد الحوثي. فحتى اعتراض المسيّرة قبل وصولها يبقي أثر الترويع قائمًا، ويطرح تحدّي حماية السكان والمعتمرين. ومن شأن هذا الاستهداف أن يرفع كلفة الاكتفاء بالردود المعتادة، وأن يمنح المملكة حجة إضافية متينة لحشد شركائها حول ترتيبات دفاعية وهجومية أوسع، قد تتخطّى تعزيز الدفاعات الجوّية إلى عمليات تستهدف مصادر التهديد.
وتزداد دلالة التصعيد عند قراءة تقرير "رويترز" عن لقاء ممثّلين للحوثيين ومسؤولين أميركيين في مسقط. فبحسب مصادر الوكالة، أكدت الجماعة التزامها وقف إطلاق النار المبرم مع واشنطن عام 2025 وعدم اعتزامها مهاجمة السفن الأميركية. أما التعهّد بتجنّب السفن الإسرائيلية وسائر السفن التجارية، باستثناء السعودية، فنقلته الوكالة عن مصدر يمني واحد. وهذا التفصيل يكشف، إذا صحّ، ترتيبًا بالغ الوضوح لأولويات الاستهداف.
يُمكن قراءة هذه الرسائل سياسيًا باعتبارها محاولة لتحييد واشنطن وتقليص احتمالات تدخّلها، بالتوازي مع طمأنة أطراف أخرى إلى أن مصالحها البحرية خارج دائرة النار. وتغدو السعودية، ضمن هذا التصوّر، الهدف المستثنى من التطمينات، ما يُبرز التناقض بين خطاب حركة "أنصار الله" المرتكز على مواجهة إسرائيل، واستعدادها لتحييد السفن الإسرائيلية مع الإبقاء على استهداف السفن السعودية. فأي موقع تحتلّه الشعارات الرنّانة عندما تتحوّل سلامة الملاحة الإسرائيلية إلى ورقة تفاوض، بينما يُترك أمن المملكة عرضة للضغط؟
ويمتدّ السؤال إلى الوظيفة الإيرانية لهذا السلوك الخبيث. فقد سبق لـ "رويترز" أن تحدّثت، في تقرير سابق منفصل، عن أن تقدّم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر جرى بتوجيه مباشر من "الحرس الثوري"، موضحة أن طهران طلبت تصعيد الهجمات على السعودية ووعدت الحوثيين بمزيد من التمويل والسلاح والضباط. تسند كلّ هذه المعطيات قراءة التصعيد ضمن استراتيجية إيرانية مدروسة للضغط على المملكة.
وفق هذه القراءة، يخدم تركيز النيران على السعودية هدف استنزاف حليف أساسي لواشنطن، ورفع كلفة المواجهة مع إيران عبر الجبهة اليمنية. كما يسمح التهديد البحري بمضاعفة الضغط الاقتصادي والنفسي على أبواب الانتخابات النصفية الأميركية، بينما تسعى التطمينات الانتقائية إلى تفكيك المصالح التي قد تجمع المتضرّرين في مواجهة الحوثيين. غير أن اضطراب الممرّات البحرية يتجاوز هوية السفينة المُستهدفة؛ فالمخاطر تنعكس على التأمين والشحن وحسابات العبور، وتوسّع دائرة الدول المعنية باستعادة أمن الملاحة وسلامتها.
فهل يدفع تزامن تهديد مكة والملاحة نحو تحرّك عربي - إسلامي؟ الاحتمال يستحقّ البحث، خصوصًا إذا رأت دول مؤثّرة، كباكستان ومصر وتركيا وغيرها، إلى جانب السعودية طبعًا، أن محاولة احتواء التصعيد دبلوماسيًا أصبحت أعلى كلفة من دخول المعركة جماعيًا. ويمكن للمكانة الإسلامية للمقدّسات أن توفّر غطاءً سياسيًا، فيما تمنح المصالح المرتبطة بالبحر الأحمر أساسًا عمليًا للتعاون. وقد تتّخذ المشاركة أشكالًا متفاوتة، تشمل الدفاع الجوّي والحماية البحرية والدعم الاستخباراتي، وصولًا إلى عمليات عسكرية محدودة أو حتى واسعة، إذا توافرت الإرادة المشتركة.
لكن الانتقال من التضامن إلى القتال يظلّ محكومًا بحسابات صعبة: مَن يُشارك؟ وما حدود المهمّة؟ وكيف تحول القوى المعنية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة؟ ويعكس الموقف الباكستاني هذا التوازن بين تأكيد حماية الحرمين والدعوة إلى ضبط النفس. لذلك، يبقى تشكيل جبهة عسكرية احتمالًا مرتبطًا بتطوّر التهديد وتوافق العواصم، في وقت تضع فيه الرسائل الحوثية هذه الدول أمام سؤال ملحّ: هل تنجح سياسة تحييد الآخرين واستفراد المملكة، أم تؤدّي المبالغة في الضغط إلى تجميع القوى التي سعت الجماعة، ومن ورائها طهران، إلى تفريقها؟
توازيًا، تحمل دعوة بكين إلى إعادة فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن أولوية واضحة تتجسّد بحماية تدفّق الطاقة وسلاسل الإمداد. لكن تشديد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمام نظيره الإيراني عباس عراقجي على رفض امتداد التوتّرات بصورة أكبر إلى اليمن والبحر الأحمر يفتح الباب أمام قراءة كلامه بوصفه رسالة حازمة إلى طهران والحوثيين، مفادها أن توسيع تهديد الملاحة يصطدم بالمصالح الصينية نفسها.
ويتزامن الموقف الصيني مع تحسّن ملموس في عبور النفط عبر هرمز بفضل الممرّ الذي تؤمّنه أميركا بمحاذاة الساحل العُماني. فوفق تحليل "فرانس برس"، اقترب متوسط التدفّق المرصود من ثمانية ملايين برميل يوميًا خلال الأيام السبعة الأولى من أيلول، مقابل نحو 18 مليونًا قبل الحرب. ويشير ذلك إلى قدرة الحماية الأميركية على تخفيف أثر التهديدات الإيرانية واستعادة جزء من حركة الإمدادات. وكان لافتًا كشفَ وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن 18 مليون برميل من النفط تدفّقت إلى خارج الخليج الثلثاء، معتبرًا أن زيادة تدفّق الإمدادات عبر مضيق باب المندب ستكون مفيدة.
وقبيل لقاء الرئيسَين دونالد ترامب وشي جينبينغ في واشنطن الأسبوع المقبل، تبدو سلامة الملاحة مساحة محتملة لتقاطع المصالح الأميركية - الصينية، رغم اختلاف أدوات الطرفين واعتباراتهما. والسؤال هو: ما مدى استعداد بكين لترجمة قلقها إلى ضغط فعلي على طهران، بما يساعد على احتواء التصعيد في هرمز ويحول دون توسيعه نحو باب المندب؟
وسط هذه الأجواء المضطربة، تدفع واشنطن ضغطها الاقتصادي على طهران نحو إجراءات أكثر استهدافًا، عبر تزويد المؤسّسات المالية العالمية بمعلومات لقطع إيرادات النظام الإيراني وشبكات توريده. ويكشف الاجتماع، الذي عقدته شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة للخزانة ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، سعيًا إلى توظيف القطاع المالي الدولي في تضييق منافذ التمويل، بما يحدّ من قدرة نظام الملالي على تمويل الحرب.