المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان
السبت 22 آب 2026 07:24:25
ارتبطت عبارة "البواخر التركية" بجملة من علامات الاستفهام المتعلّقة باستئجار بواخر إنتاج الطاقة الكهربائية من شركة كارادينيز التركية، وكذلك بالفيول المغشوش المستورد لإنتاج الكهرباء من تلك البواخر، وأيضاً بالرشى والعمولات التي دُفِعَت في هذا الملف، التي أوقِفَ على إثرها رالف فيصل وفاضل رعد وحسن أمهز. ومنذ العام 2021، نام الملف في الأدراج إلى أن فتحته وزارة الطاقة أخيراً، تحت مظلة إجراء تدقيق جنائي لمعرفة حقيقة هذا الملف وتحميل المسؤوليات إلى أصحابها. على أنّ خلاصة التدقيق يفترض أن تؤدّي إلى رفد خزينة الدولة بملايين الدولارات، إلاّ إذا عاد الملف إلى الأدراج.
الوصول إلى الحقيقة
في العام 2012 تعاقد لبنان مع شركة كارادينيز باوِرشيب التركية، لاستئجار بواخر إنتاج الكهرباء، بهدف زيادة ساعات التغذية. والبواخر التي أتت بصفة "حلّ مؤقّت"، كما ورد في ورقة سياسة القطاع في العام 2010، بقيت حتى العام 2021، ولم تغادر إلاّ على إثر الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها لبنان.
تكبّد لبنان بفعل استئجار البواخر ملايين الدولارات ذهبت هدراً، مع أنّه كان يفترض به الحصول على أموال غرامات التأخير، نظراً لتأخّر وصول الباخرتين التابعتين للشركة التركية، فضلاً عن غرامات الإخلال بالعقد، بفعل التلاعب بنوعية الفيول وأمور أخرى. وبدل الحصول على تلك الأموال، طالبت الشركة الدولة بمستحقات تصل إلى 200 مليون دولار، علماً أنّ الشركة أخّرت وصول الباخرة الأولى التي حملت اسم "فاطمة غول سلطان"، لنحو 4 أشهر. إذ وصلت في آذار 2013، في حين كان من المفترض وصولها في تشرين الثاني 2012. وبعد أقل من شهر، توقّفت تسعة من مولّداتها الـ 11 عن العمل، أي أصبحت تنتج نحو 27 ميغاواط بدل 140 ميغاواط، التي كانت تعطيها كطاقة قصوى. علماً أنها أتت بموجب العقد، لتنتج 180 ميغاواط. وتذرّعت الباخرة بأن نوعية الفيول الذي تؤمّنه مؤسسة كهرباء لبنان غير مناسبة وتتسبب بالضرر للمولّدات.
الباخرة الثانية التي حملت اسم "أورهان باي" تأخرت أيضاً، فبدل وصولها في 25 حزيران 2013، وصلت في 13 آب، أي تأخّرت نحو شهر ونصف الشهر. وتذرّعت الشركة التركية بخطأ تقني حصل في معمل الجية، مَنَعَ وَصل مولّدات الباخرة بالعمود الكهربائي للمعمل. وبالتالي، تغاضت وزارة الطاقة حينها عن حقّها بغرامات التأخير. وبمعنى آخر، خسرت الخزينة أموالاً عامة.
وأبعد من ذلك، اتُّهمت الشركة التركية بدفع رشى وعمولات لأشخاص سهّلوا وصولها إلى لبنان والتعاقد معها وتأمين الفيول المغشوش، وأمور أخرى. وإثر ذلك، حَجَزَ النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم في العام 2021 على البواخر ومنَعها من مغادرة لبنان، بهدف ضمان حقوق الدولة عبر البند الجزائي البالغة قيمته 25 مليون دولار، والمفترض بموجب العقد مع الدولة أن تدفعه الشركة في حال ثبوت تورّطها بدفع عمولات. لكن الشركة سرعان ما سُمِحَ لها بالمغادرة، وبقيت مسألة مستحقاتها والغرامات وخبايا العمولات غامضة.
هذه المحطّات التي تعطي فكرة عن ملايين الدولارات التي ضاعت على الدولة بطرق ملتوية، ليست سوى نقطة في بحر قضية البواخر التركية. ولتبيان الحقائق، اتّجهت وزارة الطاقة نحو إجراء تدقيق جنائي في الملف "حرصاً على معرفة مصير الأموال المدفوعة من خزينة الدولة والعائدة للشعب اللبناني"، وفق ما قاله وزير الطاقة جو الصدي في مؤتمر صحافي عقده أمس للإعلان عن الخطوات التي يسلكها الملف.
إنهاء الملف
قرار وزارة الطاقة إجراء تدقيق جنائي في الملف، وجد ترحيباً في مجلس الوزراء الذي وافق على نقل اعتماد من احتياطي الموازنة العامة إلى موازنة وزارة الطاقة، بقيمة 44 ملياراً و750 مليون ليرة؛ أي نحو 500 ألف دولار، لتمويل المناقصة التي سترسو على شركة تقوم بإجراء التدقيق الذي اعتبره الصدي "الطريقة العلمية الأفضل للوصول إلى الحقيقة، ليس فقط في مسألة استئجار البواخر، وإنما أيضاً في صفقات الفيول التي تم شراؤها للبواخر". ووفق الصدي، "من المفترض أن تُفض عروض المناقصة في 15 تشرين الأول المقبل".
في المحصّلة "سيقول لنا التدقيق ماذا حصل في ملف الاستئجار، وكيف جرت المناقصات، وما هي حقيقة أرقامه والمبالغ المدفوعة"، وفق ما أشار إليه الصدي في حديث إلى "المدن"، معتبراً أنّ "على اللبنانيين أن يعرفوا حقيقة ما حصل في هذا الملف الذي تدور حوله علامات استفهام كبيرة".
بالتوازي مع ذلك، تقلّل مصادر متابعة لهذا الملف من أهمية التدقيق، "ليس لأنّ التدقيق بحدّ ذاته غير مرغوب فيه، وإنما بسبب غياب القرار السياسي بمحاسبة أحد من المسؤولين الكبار عن هذا الملف". وقالت المصادر في حديث إلى "المدن" إنّ مشروع بواخر الطاقة التركية "حظي بموافقة أطراف السلطة السياسية التي تغاضت عن كلفة الاستئجار والفيول والتشغيل وما إلى ذلك، التي لامست الـ 4 مليارات دولار، يضاف إليها خسائر غير مباشرة تتمثّل بالأكلاف الاقتصادية لارتفاع كلفة إنتاج الطاقة وعدم وجود ساعات تغذية كافية لتقليص الاعتماد على المولدات الخاصة. وفي النهاية، جاءت النتيجة بأنّ لبنان كان بإمكانه شراء البواخر بدل استئجارها، أو بناء معامل جديدة وتأهيل المعامل الموجودة، عوضاً عن استئجار بواخر تحت صيغة المؤقَّت".
ورغم ذلك، قد يشكّل فتح ملف البواخر التركية حجر الزاوية في مسار الإصلاح، على أنّ "ضمان هذا النهج يفترض الوصول إلى خواتيم حقيقية وواضحة، لا أن يكون فتح الملف شعاراً يراد به الضغط السياسي على فريق هنا أو شخصية هناك. فملف البواخر مهم جداً ويمكن لنتائج التدقيق الصحيحة أن تعيد للخزينة العامة ملايين الدولارات هي بأمسّ الحاجة إليها. لكن ذلك يعني كشف أسماء وجهات سياسية متورّطة، وهذا ما يجب أن يحظى بغطاء سياسي قد لا تكون وزارة الطاقة أو الحكومة ككل قادرة على تأمينه". وأبعد من ذلك، تخشى المصادر أن يكون فتح الملف "مقدّمة للبحث عن كبش فداء وتبرئة المسؤولين الحقيقيين، وعندها ينتهي ملف البواخر بصورة شرعية، استناداً إلى نتائج التدقيق".
نُبِشَ ملف البواخر بعد نحو 5 سنوات من إقفاله برحيل الشركة التركية ودخول لبنان إلى عمق أزمة لم يخرج منها بعد. لكن قد تكون الأزمة مقدّمة للاستفادة من عائدات مالية يحتاجها لبنان في هذه الأوقات. وهذا ما يفترض أن يكشفه التدقيق في المستقبل القريب.