المصدر: المدن
الكاتب: جاسنت عنتر
الاثنين 28 أيلول 2026 09:57:27
من سيشرف على الجنوب اللبناني بعد انتهاء مهمة اليونيفل في نهاية عام 2026؟ هذا السؤال يتقدم النقاشَ حول مستقبل المنطقة الحدودية، في وقتٍ يطرح فيه البعض «اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان» (MTC4L)، التي حلّت محلّ «الميكانيزم»، بوصفها إطاراً محتملاً لمواكبة المرحلة المقبلة. لكنّ مصدراً عسكرياً يقول لـِ «المدن» إن الجواب واضح: اللجنة لا تستطيع القيام بعمل ميداني يحلّ محلّ القوات الدولية.
ويزداد السؤال إلحاحاً مع تأجيل مفاوضات روما إلى أجل غير محدّد، وترقّب ما ستفضي إليه الاستحقاقات الأميركية والإسرائيلية. ففي غياب مسار تفاوضي واضح، لا تزال صورة الترتيبات التي ستواكب خروج اليونيفل ضبابية: من سيراقب التطورات على الأرض؟ ومن سيتولى التحقق من تنفيذ أي تفاهمات محتملة؟ وما حدود الدور الذي يستطيع الجيش اللبناني القيام به وفق قدراته والقرار السياسي المتاح له؟
لجنة للتواصل لا للعمل الميداني
ترى مصادر عسكرية ميدانية أن اللجنة العسكرية التقنية تختلف عن «الميكانيزم» في صفتها ودورها وطريقة عمل أعضائها. فالحضور الأميركي فيها، وفق هذه المصادر، أقرب إلى نقل المعلومات، بعدما كان يؤدي في «الميكانيزم» دوراً أوسع في الإدارة والفصل بين الأطراف. ومع ذلك، تعتبر المصادر أن الجانب الأمريكي يحتفظ داخل اللجنة بقدرة على التأثير في السلطة اللبنانية والضغط عليها تفوق قدرة الجانب الإسرائيلي.
وبحسب المصادر نفسها، يبدو أن أحد الأهداف المطروحة للجنة هو الوصول إلى تواصل مباشر بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. إلا أن المؤسسة العسكرية، كما تؤكد، لن تدخل في تنسيق مباشر من هذا النوع من تلقاء نفسها؛ إذ يتطلب الأمر قراراً سياسياً وتكليفاً واضحاً من السلطة اللبنانية.
وتستبعد المصادر العسكرية الوصول إلى هذه المرحلة في الظروف الحالية، معتبرةً أن المسألة تثير إشكاليات دستورية وسياسية لا يمكن تجاوزها، فيما لم يُعرض «اتفاق الإطار» حتى الآن على الحكومة أو مجلس النواب. أما ميدانياً، فترى أن الظروف لا تدفع الجيش إلى المضي أبعد في خططه خلال هذه المرحلة، وإن كان يواصل أداء مهامه في الجنوب ضمن القدرات المتاحة له.
كيف سيكون خروج اليونيفل؟
توضح مصادر مطّلعة على عمل اليونيفل أن القوات الدولية ستخرج من الميدان مع نهاية عام 2026 وتتمركز في ثكناتها، وفق ما تقوله المصادر عن مقتضيات قرار مجلس الأمن 2790. وبعد ذلك، تبدأ عملية إخلاء تدريجية تشمل نحو ستة مراكز شهرياً، مع مغادرة قرابة ألف جندي من أصل نحو 7500، على أن تُسلَّم المراكز المُخلاة إلى الجيش اللبناني.
غير أن عملية التسليم تطرح، بدورها، أسئلة ميدانية معقّدة. فالمصادر تشير إلى وجود عدد كبير من مراكز لليونيفل في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ما يجعل الانتقال من الانتشار الدولي إلى تسلّم الجيش اللبناني لهذه المواقع مسألة تتجاوز الإجراءات اللوجستية، وترتبط بالوضع الأمني على الأرض.
ما الذي يفقده لبنان بخروج القوات الدولية؟
بالنسبة إلى مصادر سياسية مطّلعة، لا تقتصر أهمية اليونيفل على عدد عناصرها أو مواقع انتشارها. فوجودها يوفّر للبنان، بحسب هذه المصادر، جهة دولية تراقب التطورات في الجنوب وتوثّق الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية، بما يدعم الموقف اللبناني في المحافل الدولية.
كما أن مغادرتها ستعني غياب دورها في مراقبة الخط الأزرق، وفي مواكبة بعض المهام العملية، ومنها مرافقة قوافل إيصال المواد الغذائية إلى البلدات الحدودية. وعليه، لا ينحصر السؤال في هوية الجهة التي ستشغل مراكز اليونيفل، بل يشمل الوظائف التي كانت تؤديها هذه القوات يومياً، وما إذا كانت هناك ترتيبات قادرة على تعويضها.
«اتفاق الإطار» ودور اللجنة العسكرية
تربط مصادر سياسية مطّلعة مستقبل اللجنة العسكرية التقنية بمصير «اتفاق الإطار»، معتبرةً أن عملها يتصل، بشكل أو بآخر، بتطبيقه. ومن هنا تطرح سؤالاً أساسياً: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه اللجنة إذا كان الاتفاق، وفق توصيف هذه المصادر، قد أصبح غير قابل للتطبيق؟
وتشير المصادر إلى التعثّر الذي واجهه ملف «المناطق النموذجية»، لتسأل كيف يمكن للجنة أن تتحول إلى آلية فاعلة في مرحلة ما بعد اليونيفل إذا لم ينجح المسار الذي ترتبط به في تحقيق تقدّم على الأرض. وفي المقابل، تؤكد المصادر العسكرية أن طبيعة اللجنة نفسها لا تؤهلها لتولّي مهام المراقبة والانتشار الميداني التي تقوم بها القوات الدولية.
تبدو آلية التحقق في «المناطق النموذجية» من أبرز النقاط التي يركز عليها الجانب الإسرائيلي. فبحسب المصادر، أصرّ الإسرائيليون منذ بداية مفاوضات روما على معرفة الجهة التي ستتولى التحقق في الجنوب اللبناني، وكيف ستُمارس هذه المهمة بعد انتهاء دور اليونيفل.
وتقول مصادر عسكرية إن الجانب الإسرائيلي يطرح باستمرار رغبته في التعاون مع الجيش اللبناني لسحب سلاح حزب الله. لكنّ هذه المصادر ترى أن ترجمة هذا الطرح قد تعني أن يملي الجيش الإسرائيلي على الجيش اللبناني ما ينبغي القيام به، وهو أمر تعتبره غير مقبول ولا تستطيع أي سلطة لبنانية تحمّل تبعاته.
هكذا، يبقى مستقبل الجنوب بعد خروج اليونيفل معلّقاً بين مسار تفاوضي مؤجّل، ولجنة لا تستطيع الحلول ميدانياً محلّ القوات الدولية، وجيشٍ يواصل عمله وفق إمكاناته، فيما لم يُحسم بعد شكل الترتيبات السياسية والأمنية التي ستنظّم المرحلة التالية.