هل تنجح دبلوماسية سلام حيث فشلت لغة الحرب؟

يرى هارولد نيكلسون أن جوهر الدبلوماسية يكمن في إدارة العلاقات الدولية عبر التفاوض، بما يجعل الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة.

ولعل هذا المعنى يكتسب اليوم أهمية خاصة في قراءة لقاء رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ظل مرحلة دقيقة يقف فيها لبنان أمام استحقاقات تتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية إلى تحديد شكل المرحلة المقبلة في الجنوب.

فلقاء سلام وروبيو لم يكن معزولاً عن مجموعة الملفات التي حملها رئيس الحكومة إلى نيويورك، بل جاء في سياق محاولة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في إدارة شؤونها السيادية، والتفاوض باسم لبنان، والدفاع عن مصالحه العليا. وبين هذه الملفات يبرز الوضع في الجنوب باعتباره الأكثر حساسية، في ضوء مستقبل قوات اليونيفيل، ودور الجيش اللبناني، ومصير التفاهمات اللبنانية ــ الإسرائيلية، وما إذا كان اتفاق الإطار قادراً على الانتقال من مساحة التفاهم السياسي إلى حيِّز التنفيذ الفعلي.

وتكمن أهمية الموقف الأميركي هنا في قدرته على التأثير في مسار الاتصالات مع إسرائيل، ولا سيما في ما يتعلق بأي ترتيبات تسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وتسلّم مسؤولياته في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. فالمطلوب لبنانياً ليس مجرد تفاهمات عامة، بل آلية واضحة تضمن تثبيت الهدوء، وتمنع الفراغ الأمني، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم في ظروف آمنة.

من ناحية أخرى، هل سيتمكن حزب الله من إدارة علاقته بإيران في مرحلة أثبتت فيها التجارب أن أي انخراط جديد في التصعيد ستكون له كلفة مباشرة على لبنان، وعلى الجنوب تحديداً. وبين الالتزام بمصالح لبنان الوطنية والحسابات الإقليمية الأوسع، تبدو الحاجة إلى قرار يحصّن الدولة ويمنع إعادة إنتاج دورة جديدة من الحرب والدمار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ومن هنا تكتسب لقاءات سلام في نيويورك وواشنطن دلالتها السياسية: فهي محاولة لنقل لبنان من موقع الساحة التي تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، إلى موقع الدولة التي تفاوض باسم نفسها وتحدد أولوياتها. غير أن تثبيت هذا التحول يحتاج إلى جانب الدعم الدولي إلى ترجمة عملية على الأرض، وإلى التزام اسرائيلي بالتفاهمات، وإلى قدرة الدولة اللبنانية على استكمال بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية.

يبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع واشنطن استخدام نفوذها لدفع مسار الاتفاق نحو التنفيذ، وهل تتوافر لدى إسرائيل الاستعدادات السياسية والأمنية المطلوبة للانتقال إلى ترتيبات جديدة في الجنوب؟ وفي المقابل، هل ينجح لبنان في تثبيت مبدأ حصرية القرار السيادي ومنع العودة إلى منطق الساحات المفتوحة؟

بين هذه الأسئلة، يصبح لقاء سلام وروبيو أكثر من محطة دبلوماسية. إنه اختبار لقدرة التفاوض على إنتاج واقع جديد في الجنوب، ولقدرة الدولة اللبنانية على تحويل الدعم الدولي إلى مسار سياسي وأمني واقتصادي يحمي لبنان ويهيئ الأرض لعودة أبنائه وإعادة بناء ما تهدّم، بعيداً عن مغامرات جديدة قد يدفع اللبنانيون ثمنها مرة أخرى.