الكويت عصيّة على اختراقات الحزب

لم يعد أمن الكويت يحتمل أنصاف المواقف أو المعالجات التي تفصل التهديدات عن سياقها الإقليمي. فالأحكام التي صدرت بالإعدام على ثلاثة متهمين، وبالسجن خمس سنوات على ثمانية آخرين، في قضية التخابر مع إيران و"حزب الله" والتخطيط لاغتيال مسؤولين كويتيين، تسلّط الضوء على خطورة انتقال الصراعات الإقليمية إلى داخل الدول، وتضع السيادة الكويتية واستقلال القرار العربي أمام اختبار جديد.

ووفق ما أوردته مصادر قضائية كويتية، أصدرت محكمة الجنايات، دائرة أمن الدولة، أحكامها في ملف تضمن اتهامات بالتخابر مع إيران و"حزب الله"، والإضرار بالمصالح القومية، والتخطيط لاغتيال النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف، إلى جانب السعي إلى تنفيذ أعمال عدائية والشروع في استخدام متفجرات. وتعكس خطورة الملف طبيعة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، وما تنطوي عليه من تهديد لأمن البلاد واستقرار مؤسساتها.

مصادر كويتية مطلعة تحدثت إلى "نداء الوطن" ورأت أن خطورة القضية تكمن في استهداف مسؤول يتولّى ملف الأمن الداخلي، بما يشكّله ذلك من تهديد لهيبة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساتها. وأضافت أن الأجهزة الأمنية تعمل على تتبع مسارات التمويل والتوجيه والتجنيد، ومحاسبة المتورطين، ومنع استخدام الأراضي الكويتية منصةً لخدمة صراعات خارجية.

ولا تنبع حساسية الكويت من هذه القضية وحدها، بل تستند إلى سجل من المحطات الأمنية التي تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الوطنية. فقد شهدت البلاد في الثمانينيات اختطاف طائرتين تابعتين للخطوط الجوية الكويتية عامي 1984 و1988، وارتبط منفذو العمليتين ببيئات موالية لإيران، فيما نُسبت عملية عام 1988 إلى عناصر من "حزب الله". كما تعرض موكب الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح لمحاولة اغتيال في 25 أيار 1985، وسط اتهامات بوجود ارتباطات إقليمية. وتكشف هذه الوقائع عن تاريخ من محاولات الضغط على القرار الكويتي عبر العنف والرهائن والاغتيال .

وفي عام 2015، أعادت قضية "خلية العبدلي" ملف التخابر وحيازة الأسلحة والذخائر والمتفجرات إلى واجهة النقاش الأمني، لتبقى مسألة الشبكات العابرة للحدود وقدرتها على تهديد استقرار دول الخليج تحديًا قائمًا.

وفي تصريح خاص لـ"نداء الوطن"، أعرب مقيم لبناني في الكويت عن استياء أبناء الجالية اللبنانية من زجّ اسم لبنان في أنشطة تهدد أمن الدولة التي احتضنتهم، مؤكدًا أن الكويت احتضنت اللبنانيين، فعاشوا بين أهلها وشعروا بأنها وطنهم الثاني. وشدد على رفضهم أي أعمال إرهابية أو عسكرية تستهدف الكويت ومنشآتها المدنية، كما عبّر عن رفضه الاعتداءات الإيرانية واعتداءات الميليشيات التابعة لها على المنشآت المدنية. ورأى أن استهداف الكويت يسيء إلى العلاقات بين الشعبين، مؤكدًا رفض تحويل اسم لبنان إلى غطاء لأجندات مسلحة تهدد الدولة التي احتضنت أبناءه.

وأضاف أن هذه القضية تضع المؤسسات الرسمية اللبنانية أمام مسؤولية تعزيز التعاون الأمني مع الكويت، وتكثيف التنسيق بين الأجهزة المختصة، وتشديد الرقابة على حركة الأموال والأفراد، إلى جانب تطوير التعاون الأمني مع الدول الخليجية لمنع أي اختراقات أو أنشطة تستهدف أمنها.

سياسيًا، تكشف هذه القضية مجددًا حجم الكلفة السياسية والأمنية التي يدفعها لبنان نتيجة توظيف ارتباطات "حزب الله" الإقليمية في خدمة أجندات تتجاوز مصالح الدولة اللبنانية. فاستهداف أمن الكويت لا يشكل تهديدًا للدولة الخليجية وحدها، بل يضع بيروت أمام اختبار سيادي حاسم: هل تستطيع الدولة فرض سلطتها ومنع استخدام أراضيها أو شبكات تنشط فيها لخدمة مشاريع خارجية وتصفية حسابات إقليمية؟ ولا تقف تداعيات القضية عند حدودها الأمنية، بل تمتد إلى مستوى الثقة السياسية بين لبنان ودول الخليج، في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى ترميم علاقاته العربية واستعادة الدعم السياسي والاقتصادي. ومن هنا، لم يعد الاكتفاء بإعلان رفض الاعتداءات كافيًا؛ بل باتت الدولة اللبنانية مطالبة بترجمة موقفها إلى إجراءات عملية وتعاون أمني جاد، يثبت قدرتها على حماية سيادتها، واستقلال قرارها، ومنع تحويل أمن الدول الشقيقة إلى ورقة في حسابات النفوذ والصراعات الإقليمية.

في المحصلة، لا يحق لطهران أو لأي ميليشيا مرتبطة بها اختبار سيادة الكويت أو التعامل مع أمنها باعتباره امتدادًا لنفوذ خارجي. وكل تورط تثبته الأدلة يستوجب محاسبة قانونية حازمة. فالكويت صاحبة القرار على أرضها، وأمنها جزء لا يتجزأ من أمن الخليج والمنظومة العربية. فالسيادة ليست موضع تفاوض، وأمن الدول لا يجوز أن يتحول إلى رهينة لمشاريع النفوذ وحسابات المحاور المسلحة.