المكملات الغذائية: تهريب وتزوير وسوقٌ منفلتة من الضوابط

تحوّلت المكملات (المتممات) الغذائية المزوّرة والمهرّبة إلى تجارة أكثر رواجاً على وقع الأزمات المتلاحقة التي تضرب لبنان منذ سنوات، حيث أصبحت تملأ رفوف المتاجر وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي. منتجات تغري بأسعارها الزهيدة، فيما تخفي في تركيبتها مخاطر صحيّة. فكيف اتّسعت هذه السوق السوداء، ومن المسؤول عن ترك المنتجات المزوّرة تنتشر بلا رادع؟

يقف خلف انتشار المكملات المزوّرة والمهرّبة مزيجٌ معقّد من العوامل الاقتصادية والأمنية والتشريعية. فالمستهلكين يبحثون عن البدائل الأرخص مع تفاقم الضغوط المعيشية وتزايد أسعار المكملات الأصلية المستورَدة التي ارتفعت أسعارها بنسب تتراوح بين 40% إلى 60% بفعل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والرسوم الجمركية، إضافة إلى زيادة تكاليف التخزين والتوزيع بسبب ارتفاع أسعار الطاقة. في المقابل، توفّر المنتجات المُهرّبة أو المصنّعة محلياً في معامل غير شرعية، بديلاً بأسعار متدنيّة تنخفض بنسبة 50% إلى 70% عن سعر المنتج الأصلي، فيتزايد عليها إقبال المستهلكين.

إضافة إلى ذلك، فإن ضعف الرقابة الحدودية وغياب ملاحقة شبكات التهريب المنظمة يُشجّعان إغراق السوق بهذه المنتجات، ذلكَ على الرغم من تكثيف حملات المداهمة في الأشهر الأخيرة لمستودعات ومعامل محلية؛ ففي أواخر كانون الثاني/ يناير 2026، ضبط جهاز أمن الدولة كميات كبيرة تُقدّر بمئات العبوات من المكملات الغذائية المخصّصة للتنحيف منتهية الصلاحية في مستودع تابعٍ لإحدى شركات الأدوية والمكملات في محلة الجناح - بئر حسن وتم ختمه بالشمع الأحمر.

في الفترة نفسها من مطلع العام 2026، دهمت إدارة الجمارك اللبنانية (ضابطة صيدا) متجراً في مدينة صيدا عُثر بداخله على كميات ضخمة من المكملات الغذائية والفيتامينات المهرّبة وغير المرخصة. كما كشفت مفارز الجمارك في منطقة شتورة البقاعية عملية تزوير واسعة شملت كميات كبرى من المكمّلات البروتينية التي كانت تُسوّق عبر منصات التواصل الاجتماعي على أنها مستوردة، فيما أظهرت الفحوصات المخبرية الجنائية أنها مجرد خليط من النشاء والسكر وبودرة الكاكاو الخالية تماماً من أي قيمة بروتينية.

 

نقابة الصيادلة: نقص في الرقابة

أشار نقيب الصيادلة الدكتور عبد الرحمن مرقباوي، في تصريح لـِ "المدن"، إلى أنَّ جزءاً كبيراً من المكملات الغذائية المتداولة في السوق اللبناني أصبح إما مهرباً أو مزوراً، "لا سيما تلك التي تُباع عبر مواقع التواصل الاجتماعي ويتم توصيلها إلى المستهلكين بواسطة شركات وسيطة".

وأكَّد مرقباوي أنّ "هذا القطاع من السوق يغلب عليه المنتجات المهربة أو المغشوشة، التي لا تخضع لأي فحوصات مخبرية. وللأسف الشديد، هناك كميات هائلة من هذه المنتجات في الأسواق حالياً، لدرجة أنها باتت متوفرة بكثرة في متاجر المكملات الغذائية، والسوبرماركت، ومحال بيع المستحضرات والمنتجات العشبية، بل وحتى في بعض متاجر بيع الألبسة".

وأضاف: "أظهرت تحقيقاتنا أنّه في الكثير من الأحيان، يُباع المنتج المزوّر نفسه تحت عدة أسماء تجارية وبأسعار تقل كثيراً عن أسعار المنتجات الأصلية الموجودة في الصيدليات، إذ يصل فارق السعر أحيانًا إلى 50%. ويعود هذا الفارق الكبير إلى الاختلاف الجوهري في المكونات". فالمنتج المزوّر يحتوي على مواد أقل جودة، أو تركيزات مختلفة من العناصر الفعالة، أو مكونات مغايرة كلياً، مما يُخفض تكلفته بشكل كبير مقارنة بالمنتج الأصلي الخاضع للمواصفات.

وتابع مرقباوي: "جميع المكملات الغذائية المتوفرة في الصيدليات مرخَّصة ودخلت إلى لبنان عبر الطرق الرسمية، وهي تخضع لرقابة وزارة الصحة العامة. ونحن على تواصل مباشر مع وزارة الصحة وأمن الدولة من أجل ملاحقة وتوقيف بائعي المنتجات المهربة والمزورة." وأوضح: "لدينا في نقابة الصيادلة نظام تفتيش خاص، لكنَّ صلاحيات مفتشينا تنحصر داخل القطاع الصيدلي، ولا تمتد إلى التفتيش خارج هذا القطاع. فعند رصد مخالفات تتعلق بالأدوية أو المكملات داخل الصيدليات، نحيلها إلى المجلس التأديبي في النقابة. أما الحالات التي نكتشفها خارج الصيدليات، فنُبلّغ عنها وزارة الصحة وأمن الدولة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة". 

وحذَّر مرقباوي من المنشطات الهرمونية وحقن العضلات المهرَّبة التي تُباع في النوادي الرياضية بلا حسيب أو رقيب، وهي تنطوي على مخاطر صحية مدمرة قد تؤدي إلى الوفاة المفاجئة.

 

تهريب ونوادٍ رياضية تغذّي السوق السوداء

في تصريحٍ آخر لـِ "المدن"، أفاد مصدر صيدلاني مطّلع، رفض الكشف عن اسمه، أنَّ مسؤولية التفلت الحاصل تقع أولاً على لجنة المتمّمات الغذائية في وزارة الصحة، ذلكَ رغم التحسّن الكبير الذي طرأ على عملها بعد إعادة تشكيلها في عهد الوزير ركان ناصر الدين. وبرأي المصدر، فإن "مرونة التسعير وهوامش الربح المرتفعة تؤدي إلى تحويل المكملات الغذائية لتجارة ربحية عشوائية، على عكس عملية تسعير الأدوية التي تخضع لآلية محدَّدة ترتبط بالسعر في بلد المنشأ ودول الجوار"، وهو ما يشجّع المستوردين على اللجوء إلى استيراد المكملات الغذائية بكميات أكبر تفوق الطلب الحقيقي بأضعاف المرات، مما يفرض تكثيف التسويق والإعلانات لخلق طلبٍ وهمي، كما يشجّع المهرّبين على إغراق السوق بمنتجات مجهولة المصدر وتفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الفحص المخبري والتخزين السليم. بالتالي، فهناك ضرورة لتفعيل اللجان الفنية لوضع "سقوف سعرية" وضوابط لاستيراد وتسجيل هذه المنتجات.

وأضاف المصدر، في معرض حديثه عن المكملات الغذائية المستوردة شرعيّاً، أن "وزارة الصحة تفتقر إلى الإمكانيات اللوجستية والمختبرات المجهزة لفحص العينات مخبرياً"، مما يحدّ من قدرة لجنة المتمّمات الغذائية على مطابقة المستندات والشهادات المرفقة بتحاليل مخبرية فورية. أما في ما يخص المكملات المهرَّبة، فعلَّق قائلاً: "حدِّث ولا حرج"، مشيراً إلى أنّها تفتقر تماماً إلى شهادات المنشأ أو تتبُّع الجودة، وغالباً ما تحتوي على مكونات مخفية خطيرة أو محظورة أو نسبٍ غير دقيقة وغير آمنة. وتابع: "مسألة تخزين المكملات الغذائية لا تقلّ أهمية عن تخزين الأدوية فيما يتعلّق بصحة المستهلك، خاصة الفيتامينات التي يمكن أن تشكّل خطراً حقيقياً، وكل منتج من هذه المنتجات له طريقة تخزين خاصة. هذه المسألة لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل الجهات المعنية".

وفي ما يتعلق بالمنشطات الهرمونية التي يقوم مدرّبين غير مختصين صحياً بوصفها للمستهلكين، أكَّد المصدر على خطورة ما أشار إليه نقيب الصيادلة سابقاً. وأضاف أنّ النوادي الرياضية في لبنان أصبحت بمثابة سوق سوداء تشكّل بديلاً مربحاً بالنسبة إلى المهرّبين والمنتجين غير الشرعيين، الذين لا يستطيعون ترويج المنتجات غير المرخَّصة والمزوّرة في الصيدليات، مثل البروتين والكرياتين وسلسلة الأحماض الأمينية المتفرعة والأحماض الأمينية الأساسية والأوميغا-3.

 

وزارة الصحة: لجنة المتمّمات الغذائية 

في سياق متصل، أوضح مصدر مسؤول في وزارة الصحة، في تصريح لـِ "المدن"، طبيعة عمل وصلاحيات لجنة المتممات الغذائية، مؤكداً انتظام سير عملها دون أي عوائق. وأشار المصدر إلى أن "اللجنة تنظر بشكل دوري في كافة الطلبات الرسمية المتعلقة باستيراد وتصدير المكملات الغذائية لمنح التراخيص والموافقات اللازمة، وسط تعاون مستمر وغياب تام للشكاوى من قِبل الشركات المعنية".

وأشار إلى أنَّ اللجنة تعتمد معايير منظمة الصحة العالمية في تقييمها. أما في ما يخص الشحنات المضبوطة من قِبل إدارة الجمارك، فأشار إلى أنّها لا تمر عبر اللجنة، بل يجري التنسيق بشأنها مباشرة بين إدارة الجمارك والجهات القضائية المختصة.

يتضح من الواقع الإداري والقانوني أنَّ التعامل مع المكملات الغذائية المضبوطة لا يقتصر على الشق القضائي وحده، بل يستند إلى منظومة متكاملة تلعب فيها وزارة الصحة دوراً رئيساً. ففي الوقت الذي تتولى فيه الجهات القضائية والجمارك فرض العقوبات والتدابير الجزائية، يبرز المختبر الفني واللجنة المختصة كممر إلزامي لتقديم التقييم العلمي الحاسم، الذي يُحدد مصير هذه المواد سواء بالسلامة أو الإتلاف.