المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فايز ناهض
الاثنين 10 آب 2026 13:27:33
لم تكن الميّة وميّة، شرق صيدا، يوماً بمنأى عن الأزمات التي عصفت بلبنان. فمنذ الحرب اللبنانية وحتى اليوم، دفعت البلدة وأهلها أثماناً باهظة نتيجة الحروب والاحتلالات والتهجير وغياب الدولة، ووجد أبناؤها أنفسهم في أكثر من محطة أمام واقع يُفرض عليهم من خارج إرادتهم.
عانى أبناء الميّة وميّة من التهجير على يد المنظمات الفلسطينية المسلّحة، وما رافق تلك المرحلة من تداعيات أمنية واجتماعية تركت آثاراً عميقة على البلدة وتركيبتها السكانية. ولا تزال تداعيات الوجود الفلسطيني المسلّح في مخيّمي الميّة وميّة وعين الحلوة حاضرة في محيط المنطقة، في ظل سنوات طويلة من غياب السيادة الكاملة للدولة وانتشار السلاح خارج مؤسساتها الشرعية.
المشكلة إذاً ليست مجرد حادثة عابرة، بل مسار تاريخي جعل من الميّة وميّة ومحيطها ساحة لتداعيات صراعات أكبر من قدرة أهلها على تحمّلها.
واليوم، يجد أبناء البلدة أنفسهم أمام ملف جديد يثير مخاوف مشروعة، يتمثّل بمشروع إنشاء مدافن على أراضي الميّة وميّة لغير أبناء البلدة. وقد بدأ هذا الملف بعد شراء جمعية «صيدون» قطعة أرض في البلدة بهدف إنشاء مدافن، الأمر الذي أثار اعتراضاً من قبل الأهالي والبلدية.
إن الاعتراض هنا لا يجب أن يُفهم على أنه اعتراض على حق أي طائفة في دفن موتاها أو ممارسة شعائرها، فهذا حق تكفله الدولة لكل مواطنيها. لكن السؤال الحقيقي هو: أين تُقام هذه المشاريع؟ ومن يقرر؟ وهل تُفرض على بلدة رفضها أهلها وبلديتها، أم أن القرار يعود إلى الدولة ومؤسساتها وأبناء المنطقة؟
والأخطر في القضية هو منطق التعامل مع اعتراض أهالي الميّة وميّة، وهو ما عبّر عنه النائب السابق علي عسيران، العضو في جمعية «صيدون»، حين اعتبر أن مشروع إنشاء المدافن قائم، وأن على أهالي الميّة وميّة أن يجدوا حلاً إذا كانوا لا يريدونه. هذا المنطق يستدعي التوقف عنده، لأن السؤال ليس لماذا يرفض الأهالي المشروع، بل لماذا يُطلب منهم هم إيجاد الحل لمشروع لم يطلبوه ولم يوافقوا عليه؟ وهل أصبحت إرادة أصحاب الأرض والبلدية أمراً ثانوياً أمام مشاريع تُفرض كأمر واقع؟ فحين يُقال لأهالي البلدة، عملياً، إن المشروع قائم وعليهم أن يتدبّروا أمرهم، نكون أمام منطق يتجاوز صلاحيات البلديات وحق الأهالي، ويحوّل الدولة من صاحبة القرار إلى متفرّج على أمر واقع يُفرض تدريجياً.
وهنا تحديداً يجب أن يكون الموقف واضحاً: الأرض اللبنانية ليست مباحة أمام مشاريع تُفرض بقوة الأمر الواقع، أياً كان صاحبها أو الجهة التي تقف خلفها.
إن الدفاع عن الميّة وميّة اليوم هو دفاع عن مبدأ سيادي أساسي: لا تغيير في هوية المناطق وتركيبتها من خارج إرادة أهلها، ولا مشاريع كبرى تُفرض على القرى والبلدات من دون موافقة مؤسساتها المحلية وضمن القوانين اللبنانية.
لقد دفعت الميّة وميّة في الماضي ثمن غياب الدولة. ولا يجوز أن يُطلب من أهلها اليوم دفع ثمن غيابها مرة أخرى.
من هنا، المطلوب من الدولة، والنواب، والفعاليات السياسية والوطنية، والمرجعيات الروحية، أن يتحملوا مسؤولياتهم، وأن يُبحث هذا الملف ضمن المؤسسات والقوانين، بعيداً عن فرض الأمر الواقع أو استغلال موازين القوى.
الميّة وميّة ليست أرضاً سائبة، وأهلها ليسوا مكسر عصا.
لقد حان الوقت لأن تكون الدولة هي صاحبة القرار، وأن يكون القانون هو المرجع، وأن يُسمع صوت أبناء البلدة قبل أن يصبح أي مشروع أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه.
السيادة تبدأ من الأرض، ومن حق أهل كل بلدة أن يكونوا شركاء في تقرير مستقبلها.