تعميم وزارة المال يفجّر أزمة المشاعات في جبل لبنان: الرابطة المارونية تتحرّك... والبلديات تدرس الطعن

تحولت قضية المشاعات في لبنان من ملف مرتبط بأعمال المساحة والتحديد العقاري إلى أزمة تمس جوهر النظام القانوني للملكية، وتلامس في الوقت عينه الهواجس الميثاقية المرتبطة بالأرض والانتماء. فالتداخل بين المفاهيم القانونية، وتضارب التفسيرات الإدارية، وغياب الحسم التشريعي، دفعت بالملف إلى واجهة النزاع، في لحظة تشهد فيها البلاد ضغوطا سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة.

البداية تعود إلى مرحلة تأسيس النظام العقاري الحديث في لبنان بين عامي 1922 و1930، حين وضع المشرع إطارا قانونيا يراعي خصوصية المناطق والأعراف المحلية. وقد شكل القرار 3339 الصادر في 12 تشرين الثاني 1930 محطة مفصلية، إذ ميّز بوضوح بين نوعين من العقارات: المشاعات في جبل لبنان، وهي ملكيات جماعية للبلديات أو القرى وتخضع للأعراف المحلية، والعقارات المتروكة المرفقة في المناطق الأخرى، وهي أملاك للدولة مع منح الجماعات حق استعمالها.

لاحقا، جاء تعديل المادة 7 من قانون الملكية العقارية بموجب القانون رقم 47/1971 ليكرس هذا التمييز بوضوح، إذ نص على أن العقارات المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي تعتبر ملكا خاصا للبلديات، ما عزز موقع السلطات المحلية في إدارة هذه الأملاك.

هذا الإطار القانوني بقي قائما لعقود، إلى أن بدأت الإشكاليات التطبيقية تظهر مع تأخر أعمال المساحة والتحديد العقاري، وازدياد حالات وضع اليد والتعديات، ما فتح الباب أمام اجتهادات إدارية متباينة.

عام 2015 أصدر وزير المال علي حسن خليل مذكرة تقضي بمسح المشاعات باسم الدولة. وقد أثارت الخطوة اعتراضات واسعة، ولا سيما من القوى المسيحية، ما أدى إلى تجميد تنفيذها من دون إلغائها، لتبقى قائمة كمرجعية إدارية قابلة لإعادة التفعيل.

بعد أكثر من عقد، عاد الملف إلى الواجهة في 25 شباط 2026، مع إصدار وزير المال ياسين جابر التعميم رقم 609/2026 الذي طلب فيه قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات أولا باسم الدولة، على أن تنقل لاحقا إلى البلديات إذا توافرت المستندات القانونية. كذلك تضمن التعميم إجراءات تنظيمية إضافية، منها حصر دور المختار بالوظيفة التعريفية، ومنع إصدار إفادات "علم وخبر" في ما يخص هذه العقارات، وإخضاع أيّ نقل ملكية لرقابة وزارة المال باعتبارها الجهة الوصية على أملاك الدولة.


تبرير الوزارة
وزارة المال بررت الخطوة بانتشار مخالفات خلال السنوات الأخيرة، تمثلت في تسجيل عقارات غير ممسوحة أو مشاعات باسم بلديات أو أفراد خلافا للأصول، إضافة إلى تجاوز بعض المخاتير صلاحياتهم عبر إصدار إفادات غير قانونية. وشددت على دورها، بوصفها جهة وصية على أملاك الدولة، وضرورة إخضاع أي نقل ملكية لرقابة المديرية العامة للشؤون العقارية وقرار الوزير النهائي.

غير أن هذا التوجه فجر موجة اعتراض واسعة، تصدرتها الرابطة المارونية التي رأت في التعميم "التباسا خطيرا" يمس بنظام الملكية العقارية. وقد أحالت الملف على اللجنة القانونية والدستورية في الرابطة وأجرت الدراسات اللازمة في هذا الإطار.

ويؤكد رئيس الرابطة مارون الحلو أن خطورة التعميم تكمن في كونه إجراء إداريا يسمو عمليا على القوانين، إذ يفرض آلية تسجيل لا تستند إلى نص تشريعي، ما يشكل التفافا على الضمانات الدستورية، ولا سيما المادة 15 من الدستور التي تحمي الملكية الخاصة والعامة ولا تجيز نزعها إلا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل.

وتستند الرابطة في موقفها إلى البنية التاريخية للنظام العقاري في لبنان، حيث صدرت القوانين بين عامي 1922 و1930 لتراعي تنوع الأنظمة والأعراف. وقد ميز القرار 3339 (1930) بوضوح بين المشاعات في جبل لبنان، وهي ملكيات جماعية تعود إلى البلديات أو القرى وتخضع للأعراف، و"العقارات المتروكة المرفقة" في سائر المناطق، وهي أملاك للدولة تتمتع الجماعات بحق استعمالها. هذا التمييز عززه تعديل المادة 7 بموجب قانون 47/1971، الذي نص صراحة على أن العقارات المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي تعدّ ملكا خاصا للبلديات.

من هنا، يعتبر الحلو أن فرض تسجيل هذه العقارات باسم الدولة أولا يشكل مخالفة صريحة للقانون، ويؤدي إلى تغيير طبيعتها القانونية. ويضيف أن التوضيح الصادر عن المديرية العامة للشؤون العقارية، والذي حصر المشاعات بالأراضي المهملة خارج النطاق البلدي، زاد الغموض بدل أن يبدده، إذ خلط بين المشاعات و"الأراضي الموات"، وهي فئة قانونية مختلفة تماما تعود ملكيتها إلى الدولة وتستثمر بموجب تراخيص.
وتتوسع الاعتراضات لتشمل الجانب المؤسسي، إذ ترى الرابطة أن توجيه تعليمات إلى القضاة العقاريين يمس بمبدأ فصل السلطات، بينما تقييد دور المختار يتعارض مع موقعه كسلطة محلية منتخبة مخولة تنظيم إفادات تتعلق بواقع اليد والاستعمال خلال أعمال المسح، على أن يبقى القرار النهائي للقاضي العقاري ضمن آلية الاعتراضات المفتوحة.

وأخيرا دخلت اتحادات البلديات في مناطق الجبل وكسروان والمتن والبترون على خط الأزمة، مع توجه أولي لتقديم طعن قانوني، قبل أن تتراجع هذه الخطوة لمصلحة البحث عن تسوية. وتشير المعطيات إلى اتصالات سياسية وقانونية لإيجاد مخرج، قد يتمثل في إصدار قرار جديد يلغي التعاميم السابقة أو يعدّلها، ويوضح المفاهيم القانونية في شكل صريح، بما يضمن حقوق البلديات ويبدد هواجس الاستيلاء.