خضع لابتزازات حزب الله...تناقض واضح في خطاب بري في ذكرى الصدر

في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، نستعيد ما قاله قبل اندلاع الحرب اللبنانية: «حمل السلاح في الداخل خيانة. من يريد حماية طائفته فليعمل لبناء دولة عادلة، لأن الطوائف لا يحميها إلا العدل». لقد كان الصدر يدرك أن حماية الوطن لا تكون فقط بالبندقية، وأن الطائفة لا تُحمى بتسليم قرارها إلى السلاح، بل بالدولة والعدالة والسيادة.

من هنا يصبح كلام الرئيس نبيه بري، في ذكرى تغييب الصدر، عن التشكيك بالمفاوضات باهتًا، وكأنه يسلّم بأمر الحرس الثوري الإيراني. فالسؤال الذي يُطرح على بري، وعلى كل من يرفض المسار التفاوضي، بسيط وواضح: ما البديل؟ فالمفاوضات لم تكن هي التي جلبت الحرب إلى لبنان، بل كانت، ولا تزال، واحدة من الأدوات القليلة التي جنّبت لبنان اتساعها. ولولا الرعاية الأميركية المباشرة والاتصالات التي أبقت خيط التفاوض قائمًا، لكان الجنوب اليوم أمام واقع أشد اشتعالا. ربما لا تكون الجولات السبع قد أنتجت التسوية النهائية التي يريدها لبنان، لكن اختزالها بأنها «لم تأتِ بأي نتيجة» هو قراءة سياسية مبتورة. فالنتيجة الأولى لأي تفاوض في زمن الحرب هي منع الحرب من التحول إلى كارثة أكبر، وفتح نافذة للحل السياسي، وإبقاء القرار اللبناني على الطاولة بدلا من تركه بالكامل في الميدان.

أما الحقيقة الأكثر قسوة، فهي أن مشكلة المفاوضات ليست في المفاوضات نفسها، بل في من يريد استخدامها ورقةً لتحسين شروطه، ومن يعرقل الوصول إلى نتائجها كلما اقتربت من وضع السلاح وقرار الحرب على طاولة البحث. وفي لبنان، بات واضحًا أن ميليشيا «حزب الله» هي العقدة الأساسية أمام استكمال مسار الدولة.

فقد اعتبر الرئيس بري، في المناسبة، أن السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني خطوط حمراء ممنوع تجاوزها والمساس بها تحت أي عنوان من العناوين، ومن غير المقبول أن يكون الجنوب منطقة عازلة أو حزامًا أمنيًا لأي كان. وأكد أن حركة «أم»ل وكتلة «التنمية والتحرير» مارستا حقهما الديمقراطي في رفض اتفاق الإطار، قائلا: «ولا نزال على الموقف نفسه»، سائلا: «سبع جولات من التفاوض المباشر، ماذا كانت النتيجة»؟ واعتبر أن أي دعوة لإعادة النظر في شكل النظام السياسي لا تتوافق مع وثيقة الطائف هي مغامرة غير بريئة وغير محسوبة، تهدد وجود لبنان وسلمه الأهلي وسيادته ووحدة ترابه الوطني.

وقد أشار مصدر رسمي عبر «نداء الوطن» إلى أن كلام بري نسف كل شيء، ويبدو أنه خضع لابتزازات «حزب الله»، فقد هاجم اتفاق الإطار والمناطق التجريبية وكل مسار التفاوض الذي يقوده الرئيس عون ويضعه في أجوائه. أضاف المصدر: يبدو أن هناك غرفة عمليات للثنائي الشيعي هدفها رفع منسوب التوتر في البلاد ومهاجمة رئيس الجمهورية، إذ إن الهجوم اللاذع الذي قاده إعلام «حزب الله» على زيارة عون لليونان والغمز من نافذة الاتفاق الأمني يدل على أن بري و«الحزب» قررا اعتماد سياسة الهجوم، ويبدو أن هناك أمر عمليات إيرانيًا للتصعيد ضد الرئيس والدولة اللبنانية والمفاوضات.

ولفت المصدر إلى التناقض الواضح في خطاب بري، فمن جهة يهاجم المفاوضات اللبنانية لأن الدولة تقودها، ومن جهة ثانية يثني على المفاوضات الأميركية - الإيرانية والمبادرات التي تقودها باكستان، علمًا أن واشنطن قتلت المرشد الأعلى ومعظم القيادات الإيرانية، في حين تستمر بشن هجمات داخل الأراضي الإيرانية، بينما لا يخرج أي صوت من بري أو «الحزب» ينتقد استمرار إيران في التفاوض تحت النار.