لماذا لم تُشحن نيترات “الأسد” إلى اللاذقية؟

لم يستقرّ صدفةً طنٌّ واحد من مادّة “نيترات الأمونيوم” في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت مع نهايات 2013. ولا اقتصرت حكايته المعقّدة على خطأ تقنيّ في مسار سفينة متهالكة المحرّكات تعطّلت في عرض البحر الإقليميّ. يعيد الواقع المتشابك وما كشفته معطيات “أساس” وصْل ما حاول الكثيرون قطعه بين بيروت ودمشق. تحوّلت تلك المادّة الشديدة الانفجار التي رَست في العاصمة اللبنانيّة إلى جزءٍ محوريّ وأساسيّ من جغرافيا الإمداد العسكريّ واللوجستيّ التي خاض بها نظام بشّار الأسد وحلفاؤه حرب السيطرة على الجغرافيا السوريّة.

شهدت سنة 2013 تحوّلاً حرجاً وخطِراً في توازنات القوّة العسكريّة والميدانيّة داخل الجغرافيا السوريّة. إذ كان نظام الأسد شبه معزول عن موانئه الطبيعيّة والحيويّة في الساحل السوريّ (اللاذقيّة وطرطوس) بعدما تحوّل شريان النقل البرّيّ الممتدّ من الشمال والشمال الغربيّ نحو العاصمة إلى مسرحٍ ملتهب للكمائن والاشتباكات المباشرة والقصف المتواصل.

كان الممرّ الالتفافيّ المتاح يمرّ حكماً عبر ريف محافظة حمص والجهة المتاخمة للحدود اللبنانيّة في سلسلة جبال القلمون، وهما منطقتان واسعتان خضعتا آنذاك لسيطرةٍ مطبقة من قبل فصائل المعارضة المسلّحة و”جبهة النصرة”.

مع اشتداد المعارك وضراوتها حول بلدات قارة ودير عطية والنبك في القلمون، وتلبيسة – الرستن في حمص، غدت مجازفة نقل شحنات كيميائيّة حسّاسة وعالية الانفجار عبر طريق اللاذقية – حمص – دمشق، خطراً عمليّاتيّاً وهزيمة أمنيّة، نظراً لاحتمالية استهدافها أو وقوعها مباشرة في أيدي المعارضة.

شريان المصنع

مقابل انسداد وتعطّل الطريق الداخليّ السوريّ، كان المشهد الجنوبيّ والشرقيّ المتاخم للبنان يرتسم بمعايير عسكريّة وأمنيّة مختلفة تماماً. فقد نجح جيش النظام بالاشتراك والمناصفة الميدانيّة مع “الحزب” في تحقيق وفرض سيطرة ناريّة كاملة على شريان المصنع – البقاع – دمشق، لا سيما عقب حسم معركة القصير الاستراتيجيّة والترتيب لإطلاق عمليّات القلمون المتلاحقة.

هكذا أتاح هذا الخطّ الحدوديّ المباشر ممرّاً أكثر استقراراً وضمانةً لنقل احتياجات النظام وحلفائه اللوجستيّة والعسكريّة، بعيداً عن أخطار جبهات الوسط المشتعلة بالنار. وفق مصادر مطّلعة، تبلور خيار الاعتماد المباشر على مرفأ بيروت ليكون محطّة ترانزيت واستقبال خلفيّة وآمنة تفادياً للمخاطر المترتّبة على استخدام الطريق الساحليّ الداخليّ السوري. وبدلاً من المغامرة بنقل الموادّ الخام الشديدة الانفجار من الساحل السوريّ المهدّد والمستهدَف، بات المرفأ اللبنانيّ نقطة تفريغ وتخزين آمنة يجري عبرها سحب الشحنات برّاً وبشكل تدريجي باتّجاه العاصمة السوريّة عبر نقطة المصنع الحدوديّة الواقعة تحت السيطرة الكلّيّة للنظام وحلفائه.

لم تكن الشحنة الضخمة المخزّنة في المرفأ سماداً زراعيّاً عاديّاً أو مادّة مزدوجة الاستخدام في الأغراض المدنيّة، بل شكّلت العصب الأساسيّ والهيكل التدميريّ لصناعة “البراميل المتفجّرة” التي شهد عام 2014 ذروة استخدامها المكثّف والتدميريّ ضدّ القرى والمدن والأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة في حلب، إدلب، ريف دمشق، وحمص.

تكشف معلومات “أساس” أنّ شبكة النقل والتمويل والتسهيل لهذه الشحنة ارتبطت مباشرة برَجُلَي الأعمال السوريَّين المدرجَين على لائحة العقوبات الأميركيّة، مدلل خوري وجورج حسواني، اللذين أدّيا أدوار الوساطة الماليّة واللوجستيّة المعقّدة لتوفير احتياجات النظام السوريّ من الموادّ الكيميائيّة القابلة للانفجار عبر الموانئ والمنافذ القريبة.

سهيل وجميل الحسن: هندسة القتل

عن الجذور العسكريّة والعمليّاتيّة للبراميل “النيتراتيّة”، تؤكّد معلومات “أساس” أنّ فكرة تصنيع واستخدام “البراميل المتفجّرة” ترتبط مباشرة باللواء سهيل الحسن الملقّب بـ”النمر” (قائد القوّات الخاصّة آنذاك)، واللواء جميل الحسن (مدير إدارة الاستخبارات الجوّيّة الأسبق).

عمل اللواءان بشكل مباشر على ابتكار وتطوير هذه الخلطة التدميريّة المنخفضة التكلفة للالتفاف الميدانيّ على العجز الحادّ في الذخائر والأسلحة الثقيلة التقليديّة، ولتغطية التراجع التشغيليّ الحادّ لسلاح الجوّ السوريّ آنذاك. وتولّى الجهاز الإداريّ والتكتيكيّ التابع للاستخبارات الجوّيّة والقوّات الخاصّة الإشراف المباشر والميدانيّ على معامل تصنيع هذه البراميل القاتلة، وتجميع الموادّ الشديدة الانفجار الآتية عبر الشرايين اللوجستيّة البديلة الممتدّة من لبنان.

تقاطعت تعقيدات الميدان السوريّ المشتعل في القلمون وحمص مع الفساد المؤسّساتيّ والإهمال الإداريّ والأمنيّ المتراكم في بيروت. علاوة على السيطرة السياسيّة والأمنيّة لـ”الحزب” على الواقع اللبنانيّ. وهذا ما أبقى السفينة الشبح “روسوس” عالقة في الحجز، ونُقلت شحنتها القاتلة لاحقاً للتخزين في العنبر رقم 12 خلال عام 2014. وبحسب ما ورد في التحقيقات، فإنّ ما انفجر في بيروت كان 500 طنّ من النيترات بقيت من أصل 2,750 طنّ. وهو ما يؤكّد أنّ تهريب النيترات كان يتمّ من مرفأ بيروت إلى مخازن سهيل وجميل الحسن في سوريا.

بقيت المادّة الكيميائيّة القاتلة، التي استُوردت في الأساس لرفد آلة الحرب السوريّة، قنبلةً موقوتةً تختزل التداخل الميدانيّ المعقّد بين خرائط الصراع الإقليميّ والانهيار المؤسّساتيّ اللبنانيّ، حتّى لحظة الانفجار الكارثيّ الذي ضرب العاصمة ودمّر المرفأ في عصر الرابع من آب 2020.

يذكر أنّ السفينة الحاملة للشحنة “روسوس” كانت ترفع علم مولدوفا وتعود ملكيّتها إلى رجل الأعمال الروسيّ إيغور غريتشوشكين، وقد غادرت ميناء باتومي الجورجيّ في أيلول 2013 متّجهة إلى موزمبيق.. قبل أن تُحتجز في مرفأ بيروت بناء على دعوى قضائية مفتعلة جعلت قاضي الأمور المستعجلة في بيروت حينذاك جاد المعلوف يأمر بحجزها ولاحقاً إفراغها لعجزها عن تسديد الرسوم وتراكم المخالفات عليها، فيما أُرغم طاقمها، ومعظمه من الأوكرانيّين، على البقاء على متنها لأشهر دون أجور، إلى أن غرقت السفينة بالكامل بعد أن أفرغت حمولتها في العنبر رقم 12.