المصدر: النهار
الكاتب: اسكندر خشاشو
الأحد 22 آذار 2026 18:20:16
ليس النقاش حول إقامة مخيم نزوح قرب مرفأ بيروت تفصيلاً عابراً يمكن احتواؤه بلغة إنسانية بحتة. في الناحية الشرقية لبيروت، الذاكرة لا تتعامل مع "المخيم" كمفهوم إغاثي، بل كمدخل إلى تجربة تاريخية قاسية، ما زالت تداعياتها حاضرة في الوعي الجماعي، مهما تغيّرت الظروف والعناوين.
قبل الحرب الأهلية، لم تكن تلك المنطقة خالية من المخيمات الفلسطينية، بل احتضنت ثلاث تجارب مختلفة شكلت معاً صورة مركّبة: تل الزعتر، جسر الباشا، وضبية، ثلاثة مخيمات للاجئين الفلسطينيين، وهذه الثلاثية تختصر مسار الوجود الفلسطيني في الشطر الشرقي، من التمدد إلى الانفجار.
في قلب هذه التجربة، برز مخيم تل الزعتر كحالة استثنائية بكل المقاييس. لم يكن مجرد تجمع للاجئين، بل تحوّل مع الوقت إلى مساحة مكتظة سياسيا وعسكريا، داخل بيئة محيطة معادية. موقعه بين الدكوانة وسن الفيل جعله نقطة تماس دائمة، فيما تضخّم حجمه إلى عشرات آلاف السكان. ومع اندلاع الحرب، لم يعد المخيم مجرد جزء من الأزمة، بل صار أحد عناوينها الأساسية، وصار قضية اقليمية-سياسية-عسكرية وصولا إلى حصار عام 1976 . سقوطه لاحقاً لم ينه وجوده الجغرافي فحسب، بل أسس لقطيعة كاملة مع فكرة المخيم في تلك المنطقة.
إلى جانبه، كان مخيم جسر الباشا يعيش على هامش الضوء. أصغر حجماً وأقل تأثيراً، لكنه شكل امتداداً بشرياً وجغرافياً لتل الزعتر. لم يحظ بالاهتمام ذاته، ولم يكتب له أن يتحول إلى رمز، لكنه انتهى بالطريقة نفسها تقريباً.
أما مخيم ضبية، فكان الاستثناء الذي خرج عن القاعدة. نشأ في المتن الشمالي، واحتضن لاجئين فلسطينيين بغالبيتهم من المسيحيين، ما سمح له بعلاقة أقل توتراً مع محيطه. لم يتحول إلى بؤرة عسكرية، ولم يدخل في صلب المواجهات الكبرى، فاستمر، ولو بحجم محدود، حتى اليوم.
بين هذه النماذج الثلاثة، تبلورت معادلة غير مكتوبة: المخيم في بيروت الشرقية ليس تفصيلا قابلا للتجربة مجدداً.
اليوم، ومع تصاعد الحديث عن إقامة مخيم نزوح قرب المرفأ، تعود هذه الذاكرة دفعة واحدة إلى الواجهة. فالموقع ليس تفصيلاً. المرفأ يقع في قلب منطقة لطالما اعتُبرت حساسة على المستوى الديموغرافي، وأي تجمع بشري كبير فيه يُقرأ فورا من زاوية التوازنات، لا فقط من زاوية الإغاثة.
الأمر لا يتوقف عند الجغرافيا. في لبنان، التجربة تقول إن "المؤقت"غالباً ما يتحول إلى دائم. هكذا بدأت المخيمات الفلسطينية بعد 1948، وهكذا ترسّخت مع الوقت، إلى أن أصبحت واقعاً قائماً بحد ذاته، يتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد سياسية وأمنية معقدة.
من هنا، لا يبدو الخوف المطروح اليوم مبالغاً فيه بالنسبة الى كثيرين. هو ليس رفضاً لفكرة الإيواء بحد ذاتها، بل قلق من المسار الذي قد تسلكه الأمور. فالمخيم، في الذاكرة اللبنانية، بنية قابلة للتوسع، وللتحول إلى مساحة خارجة عن سيطرة الدولة، أو على الأقل صعبة الضبط.
بين هاجس الماضي وضغط الحاضر، يقف لبنان مرة جديدة أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن التوفيق بين الضرورات الإنسانية الملحّة، وبين مخاوف تاريخية لم تطو صفحاتها بعد؟.